ما لا يُقال عن العمل من بُعد: آثار نفسية واجتماعية وجسدية خفيّة

HomeUncategorized

ما لا يُقال عن العمل من بُعد: آثار نفسية واجتماعية وجسدية خفيّة

مع التطوّر التكنولوجي وفورة الذكاء الاصطناعي، زاد شعور الفرد بالاستقلالية والتحرّر من ارتباطات الزمان والمكان، إذ بات بإمكانه العمل من أي مكان ير

95% من المحتوى الرقمي المزيف اليوم يُنتَج بتقنيات الديب فيك والذكاء الاصطناعي: كيف نحمي أنفسنا؟
العملات الرقمية في لبنان: ملاذ آمن أم مغامرة جديدة؟
التكنولوجيا والاعلام الرقمي: أداة إدارة الحرب الاسرائيلية على لبنان 2024

مع التطوّر التكنولوجي وفورة الذكاء الاصطناعي، زاد شعور الفرد بالاستقلالية والتحرّر من ارتباطات الزمان والمكان، إذ

بات بإمكانه العمل من أي مكان يريده والحصول على راتبه. وعلى الرغم من تهافت الإقبال على العمل من بُعد في فترة كورونا، إلّا أن هذه الموجة خفتت في الآونة الأخيرة، نظرًا للانعكاس السلبي لهذا العمل على حياة الأفراد.

فكيف تحوّل العمل من بُعد من فرصة للتحرّر إلى سجن متنقّل؟ وما علاقته بالعزلة الاجتماعية وما يصاحبها من اضطرابات تصيب الأفراد؟

تأثير العمل من بُعد على الإنسان

كشفت دراسة أجرتها شركة “MindGym” العالمية لاستشارات تغيير السلوك، أنّ العمل من بُعد له آثار ضارّة لا تقتصر على الجانب النفسي، بل تمتدّ لتطال صحة الإنسان الجسدية على المدى الطويل. فبحسب الدراسة، قضاء وقت طويل بعيدًا من الناس يجعل الأفراد أكثر عرضة لمشاكل في الجهاز المناعي، وأمراض القلب والسكتة الدماغية والخرف ومرض ألزهايمر.

هذا إلى جانب الآثار السلبية المتمثّلة بالشعور بالقلق والاكتئاب والإحباط والتدهور المعرفي والانفصال العاطفيّ بسبب عدم تكوين روابط حقيقية مع فريق العمل، ما يُسبّب عزلةً اجتماعية. إضافةً إلى الإجهاد الذهني والإرهاق نتيجة الإفراط في الاتصال بالإنترنت، ما قد يؤدّي إلى الانطوائية والغضب والانفعال.

العمل من بُعد سجنٌ مُقنّع

العمل من بُعد
صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر تأثير العمل من بُعد على الإنسان

وفي هذا الإطار، تروي الموظّفة غاييل جميل لموقع كذاتك معاناتها مع العمل من بُعد:

“في البداية، كنتُ سعيدة جدًّا بهذا العمل، إذ وفّر عليّ عناء الاستيقاظ باكرًا وتعب المواصلات، غير أنّ رأيي تغيّر بعد أشهر قليلة. فساعات العمل باتت متواصلة، حتى دخول الحمّام أصبح يتطلّب إذنًا ليتأكّد المدير أنّي ما زلتُ connected.

هذا غير سوء الفهم الناتج عن التواصل غير المباشر، إلى درجة أشعر أحيانًا أنّني أتعامل مع كائنات فضائية، أفراد بلا وجوه واضحة في مخيّلتي، ولا حتى أصوات، مجرّد رسائل إلكترونية فائقة الرسميّة. ناهيك عن آلام الظهر الناتجة عن الجلوس لتسع ساعات متواصلة، وعند أي اعتراض تكون الإجابة: “إنتِ قاعدة بالبيت، يعني ما في لزوم تاخدي break”.

أمّا نفسيًّا، فأشعر أنني وحيدة في هذا العالم، ما إن أستيقظ حتّى أفتح الحاسوب، ولا أغلقه إلّا مع حلول المساء. لا أضحك خلال الدوام، ولا أبتسم لنكتة زميل، لأنني ببساطة أعمل وحدي. إضافةً إلى نفوري من الأجهزة الإلكترونية لكثرة استخدامها، لدرجة أصبحت أُبعدها عنّي فور انتهاء الدوام.

كما أنّ العمل من بُعد زاد مشاكلي مع أهلي نتيجة اقتحامي مساحتهم الخاصّة، فالبيت الذي يُفترض أن يكون مكانًا للراحة، تحوّل، في حالتي، إلى مكتب عمل، إذ أُضطرّ دائمًا إلى تنبيههم لخفض أصواتهم، وعدم دخول غرفتي، أو حتى استقبال الزوّار، ما يشعل المشاكل بيننا.

باختصار، العمل من بُعد سجنٌ مُقنّع، وليس وسيلة للتحرّر كما يُروَّج له، على الأقلّ من خلال تجربتي.”

حين تتحوّل المعاناة الفردية إلى ظاهرة نفسية جماعية

العمل من بُعد
صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر تأثير العمل من بُعد على الإنسان

استنادًا إلى خبرتها، تؤكّد الطبيبة النفسية بيرلا إبراهيم أن تجربة غاييل جميل ليست فردية إنّما هي ظاهرة متكرّرة تعكس غياب التنظيم والدعم المؤسّسي، وتُلقي بمسؤولية التوازن النفسي بالكامل على عاتق العامل. وتقول إبراهيم إنّ العمل من بُعد، ما لم يوضع في إطاره الصحيح، قد يشكّل جملة من الاضطرابات تتمثّل في صعوبة مستمرّة بالنوم، وفقدان الحافز الوظيفي، والشعور بالنفور من العمل، والإرهاق الدائم حتى خارج أوقات الدوام. إضافةً إلى إظهار سلوكيات مستجدّة، كالعصبية المفرطة والانسحاب الاجتماعي، والشعور بالعزلة وأحيانًا بالنبذ وعدم التقدير. هذا إلى جانب صعوبة التواصل والعمل الجماعي، والإحساس بفقدان الأمان الوظيفي نتيجة البعد الجغرافي عم مقرّ العمل.

5 نصائح لمواجهة تحديات العمل من بُعد الحدود الزمنية

وتشير إبراهيم إلى إمكانية تخفيف اضطرابات العمل من بُعد عبر تطبيق 5 توصيات قدّمتها لموقع كذاتك، أبرزها:

  1.  ضرورة الالتزام بساعات عمل محدّدة ووضع حدود زمنية صارمة بين الدوام والحياة الشخصية، من دون السماح بتخطّي وقت نهاية الدوام إلّا في الحالات الطارئة. 
  • تخصيص مساحة ثابتة للعمل داخل المنزل للفصل النفسي بين مكان الإنتاج ومكان الراحة للحفاظ على شعور التجدّد والتحرّر من قيود العمل. 
  • أخذ استراحة كل ساعة لمدّة 5 دقائق، وإدخال نشاط جسدي منتظم إلى الروتين اليومي للتخفيف من آثار الجلوس الطويل والتوتّر المتراكم، بما ينعكس إيجابًا على الصحة النفسية والجسدية.
  • تجنّب العمل في أماكن مليئة بالضوضاء أو أمام التلفاز، وتجنّب العمل في المكان المخصص للنوم. 
  • المشاركة بانتظام في الاجتماعات والمكالمات المرئية للحفاظ على مستويات التواصل مع أفراد الفريق، وكسر العزلة الاجتماعية من خلال لقاءات دورية مباشرة، سواء مع الزملاء أو ضمن الدائرة الاجتماعية خارج إطار العمل.

في الختام، العمل من بُعد هو امتداد طبيعيّ للتطوّر التكنولوجي والتحوّل الثقافي الذي يتطلّب مرونة وقدرة على التكيّف، في سبيل تحقيق نموٍّ اقتصادي ومهني في عالم الأعمال الافتراضي. وللوصول إلى هذه الأهداف، لا بدّ من اتباع نهج يوازن بين العمل من بُعد وتفعيل العلاقات الشخصية والاجتماعية لحماية الصحة النفسية والعقلية والجسدية للأفراد. فالعمل من بُعد ليس مشكلة بحدّ ذاته، إنّما يصبح كذلك حين يُلغي حاجة الإنسان إلى التفاعل، ويحوّل المرونة إلى عبء نفسي.

مقال ذو صلة

COMMENTS

WORDPRESS: 0
DISQUS: