النفايات الرقمية: أزمة بيئية “غير مرئية” تلتهم موارد الكوكب

Homeاقتصاد

النفايات الرقمية: أزمة بيئية “غير مرئية” تلتهم موارد الكوكب

بينما أكتب هذه النص الذي يتناول النفايات الرقمية باعتبارها أحد أكبر التحديات البيئية في القرن الواحد والعشرين، استهلكت أكثر من ليتر ماء لتبريد ال

استبدال مطوّر ألعاب الفيديو بالذكاء الاصطناعي عام 2026؟
رحلة ألعاب الفيديو من البساطة إلى العوالم الرقمية
ألعاب الفيديو والذكاء الاصطناعي: كيف أصبحت التجربة الرقمية عام 2025؟

بينما أكتب هذه النص الذي يتناول النفايات الرقمية باعتبارها أحد أكبر التحديات البيئية في القرن الواحد والعشرين، استهلكت أكثر من ليتر ماء لتبريد الخوادم البعيدة التي تمدني بالمعلومات، ونحو نصف كيلو غرام من انبعاثات الكربون نتيجة استهلاك الطاقة الكهربائية لجهازي واتصالي بالإنترنت.

قد تبدو هذه الأرقام إحصائيات تقريبية، لكن المؤكد أن الكوكب دفع ثمنًا بيئيًا غير مرئي مقابل كل جملة أكتبها وكل عملية بحث أجريها وكل استفسار من برنامج ذكاء اصطناعي. فخلف كل نقرة زر وجهاز ذكي نفايات رقمية لا تتحلل.

قد تبدو هذه الأرقام تقريبية، لكن المؤكد أن الكوكب دفع ثمنًا بيئيًا غير مرئي مقابل كل جملة أكتبها وكل

عملية بحث أجريها وكل استفسار من برنامج ذكاء اصطناعي. فخلف كل نقرة زر وجهاز ذكي سلسلة طويلة من الانبعاثات الكربونية ومخلفات صلبة لا تتحلل.

مراكز البيانات والنفايات الرقمية

تُعد مراكز البيانات (Data Centers) بمثابة “الجهاز العصبي” الذي ينتج ويشغل كل ما نراه في العالم الرقمي. وهي منشآت ضخمة تضم آلاف الخوادم وأجهزة التخزين.

تعمل هذه المراكز على مدار الساعة دون توقف مما يتطلب كميات هائلة من الطاقة الكهربائية لتشغيل المعالجات وضمان تدفق البيانات بسرعة فائقة؛

لكن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في استهلاك الكهرباء، بل في الحرارة الهائلة التي تولدها تلك الأجهزة، مما يفرض استخدام أنظمة تبريد عملاقة تستهلك ملايين الأمتار المكعبة من المياه العذبة، أو تعتمد على مكيفات هواء ترفع من حرارة المحيط الخارجي.

أصبحت مراكز البيانات مسؤولة عما يقارب 2% من انبعاثات الكربون العالمية- صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي باستخدام أداة “ويسك”

ومع طفرة الذكاء الاصطناعي وتزايد الاعتماد على الحوسبة السحابية، أصبحت مراكز البيانات مسؤولة عما يقارب 1% إلى 2% من انبعاثات الكربون العالمية أي ما يعادل 700 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وهي نسبة تضاهي انبعاثات قطاع الطيران المدني لعام 2021، وفق وكالة الطاقة الدولية.

وقد أظهرت دراسة نُشرت في يناير/ كانون الثاني الماضي أن مراكز البيانات تسببت في ارتفاع الطلب على الطاقة المولدة بالغاز في الولايات المتحدة بشكل كبير خلال العامين الماضيين. ووجدت الدراسة أن أكثر من ثلث هذا الطلب الجديد مرتبط بشكل مباشر بمشاريع الغاز التي ستُزود مراكز البيانات بالطاقة، وهو ما يعادل طاقة تكفي لتزويد عشرات الملايين من المنازل الأميركية بالكهرباء.

البيانات المظلمة: نفايات رقمية

كما تمثل البيانات المظلمة (Dark Data) أحد أكبر التحديات البيئية “غير المرئية” في العصر الرقمي، وهي البيانات التي تُجمع وتُعالج وتُخزن أثناء الأنشطة التشغيلية ولكنها تظل مهملة دون استخدام أو تحليل.

تشير التقديرات إلى أن نحو 60% من البيانات المخزنة عالميًا تقع ضمن النفايات الرقمية. وتكمن خطورتها البيئية في أنها تتطلب طاقة مستمرة لتشغيل الخوادم وأنظمة التبريد في مراكز البيانات. وقد أنتجت هذه البيانات المهملة وحدها حوالي 6.4 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون في عام 2020، وهو ما يعادل البصمة الكربونية لسيارة تدور حول الأرض أكثر من 575,000  مرة.

كم عدد الرسائل غير المقروءة في بريدك الإلكتروني الآن؟

ووفقًا لمؤسسة البيانات الدولية، تم إنشاء 1.2 زيتابايت (1.2 تريليون جيغابايت) من البيانات في عام 2010. وبلغ هذا الرقم نحو 175 زيتابايت في عام 2025، وفق توقعات المؤسسة. يعني ذلك تضاعف حجم البيانات المظلمة.

تعدين العملات الرقمية ينهك البيئة

كذلك يُعد تعدين العملات الرقمية أحد أكثر الأنشطة التكنولوجية إثارة للجدل بيئيًا، إذ يمثل نقطة التصادم الكبرى بين الثورة المالية الرقمية والموارد الطبيعية للأرض. فالتعدين هو سباق حوسبة عالمي يتطلب طاقة هائلة لتشغيل وتبريد مئات الآلاف من الأجهزة المتخصصة.

يستهلك تعدين البتكوين سنويًا حوالي 151  تيراواط/ساعة، وفق مؤشر كامبريدج لنيويورك لاستهلاك البتكوين للكهرباء” (CBECI).

ووجدت دراسة أن تعدين البيتكوين يستهلك كهرباء أكثر من استهلاك دولة سويسرا، وفق موقع “ذا فيرج“.

كما ترتفع الانبعاثات الكربونية بشكل حاد بسبب اعتماد العديد من مزارع التعدين على مصادر طاقة رخيصة وغير متجددة (مثل الفحم) في بعض المناطق. و يُقدر أن تعدين البتكوين يولد سنويًا حوالي 81  مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، وفق دراسة نشرتها مجلة “سينتيفك ريبورت“.

وعلى صعيد التعاملات، تستهلك معاملة واحدة من البتكوين طاقة تعادل ما تستهلكه أسرة أميركية متوسطة في 24  يومًا، وتنتج بصمة كربونية تعادل مشاهدة 130,000 ساعة من فيديوهات “يوتيوب”، وفق منصة “ديجي إيكونومست“.

ويبدو أن ثورة الذكاء الاصطناعي قد فاقمت أزمة النفايات الرقمية، إذ تُشير التوقعات الصادرة عن وكالة الطاقة الدولية (IEA) في تقريرها لعام 2026 إلى أن استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات، المدفوع بازدهار الذكاء الاصطناعي، قد يتضاعف ليصل إلى أكثر من  1000  تيراواط/ساعة، وهو ما يعادل إجمالي استهلاك دولة مثل اليابان.

ووفقًا لدراسة بحثية أجراها البروفيسور شولي رين من جامعة كاليفورنيا ريفرسايد فإن كل محادثة بسيطة مع نماذج الذكاء الاصطناعي (بمعدل 20 إلى 50 سؤالاً) قد تستهلك ما يصل إلى 500  مللتر من المياه العذبة لأغراض تبريد الخوادم العطشى.

كما أكدت تقارير معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن عملية تدريب نموذج لغوي ضخم واحد يمكن أن تطلق انبعاثات كربونية تُقدر بـ 502  طن، وهو رقم يضاهي الانبعاثات الناتجة عن خمس سيارات طوال دورة حياتها.

ومن جهة أخرى، كشفت دراسة مشتركة بين منصة “هاجينغ فيس” (Hugging Face) وجامعة كارنيجي ميلون الأميركية أن توليد صورة واحدة فقط بواسطة الذكاء الاصطناعي يستهلك طاقة تعادل شحن بطارية هاتف ذكي بالكامل.

وبناءً على هذه الأرقام، يحذّر المنتدى الاقتصادي العالمي من أن استمرار هذا النمط من النمو الرقمي، دون التحول الكامل نحو الطاقة النظيفة، سيجعل من التكنولوجيا أحد أكبر التهديدات للأمن المائي والمناخي في العقد القادم.

النفايات الرقمية الملموسة

وفي مقاربة للشق الملموس من الأزمة، يتطلب الولوج إلى العالم الرقمي و إدارة البيانات  تحديثًا مستمرًا للأجهزة الإلكترونية. وقد جعل ذلك من النفايات الإلكترونية مصدر النفايات الصلبة الأسرع تناميًا في العالم، وفق منظمة الصحة العالمية. تتضمن هذه النفايات جميع الأجهزة الإلكترونية المنزلية والشخصية والصناعية منها.

تعد النفايات الإلكترونية مصدر النفايات الصلبة الأكثر تناميًا في العالم- موقع الأمم المتحدة

ففي عام 2022، أُنتجت 62 مليار كيلوغرام من النفايات الإلكترونية في العالم، أي ما يعادل متوسط ​​7.8 كيلوغرام للفرد سنويًا، وفق تقرير الرصد العالمي للنفايات الإلكترونية الصادر عن الأمم المتحدة.

وقد جرى جمع وإعادة تدوير 22.3% فقط من هذه الكمية بطريقة سليمة بيئيًا، وفق التقرير.

وتعد القارة الأوروبية الأكثر انتاجًا للنفايات الإلكترونية، لكنها تعيد تدوي نحو 43% منها بطريقة سليمة بيئيًا.

وتتراجع هذه النسبة في قارتي آسيا وإفريقيا.

يشرح رئيس جمعية ” Ecoserv” في لبنان، والتي تعنى بإعادة تدوير النفايات الإلكترونية، غابي كساب أن قلة الوعي بمخاطر النفايات الإلكترونية البيئية والصحية يدفع لتجاهل إعادة تدويرها.

تقوم “Ecoserv” بإعادة تدوير نحو 140 طن من النفايات الإلكترونية سنويًا.

رئيس جمعية “إيكوسيرف” غابي كساب

ويوضح كساب، في حديث إلى موقع “كذا تك” أن مهندسين ومتخصصين يقومون بفك الأجهزة الإلكترونية المختلفة ويفرزون المواد التي تحتويها، كالبلاستيك والحديد وغيرها ليصار إلى إعادة تدويرها. أمّا بطاريات الليثيوم فتصدّر إلى الخارج حيث تتم  معالجتها بطرق سليمة بيئيًا.

ويقول كساب: “تكمن المشكلة في المكبات غير الشرعية ومجموعات النكاشة الذين يعمدون إلى تحطيم الأجهزة الإلكترونية ورميها في الأحراج”.

ويلحظ كساب أن هذه النفايات تتفاعل مع العوامل الطبيعية كأشعة الشمس والأمطار وتفرز مواد سامة تضر بصحة الإنسان والبيئة. 

وبحسب منظمة الصحة العالمية، فالرصاص هو أحد المواد الشائعة التي تُطلق في البيئة عند إعادة تدوير النفايات الإلكترونية أو تخزينها أو التخلص منها عن طريق القيام بأنشطة رديئة، مثل الحرق في الهواء الطلق .

لوائح إدارة النفايات الإلكترونية

ومن بين 81 دولة مشمولة بسياسات أو تشريعات أو لوائح وطنية لإدارة النفايات الإلكترونية، طبّقت 67 دولة مب

مسؤولية المنتج الموسّعة، وضمنت 46 دولة أهدافًا وطنية لجمع النفايات الإلكترونية في لوائحها، بينما وضعت 36 دولة أهدافًا لإعادة تدويرها على المستوى الوطني.

وفي لبنان، يصنّف قانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة رقم 80 الصادر عام 2018 “النفايات الإلكترونية ضمن فئة النفايات الخطرة أو النفايات التي تتطلب إدارة خاصة.

كما يعد لبنان من الدول الموقعة على اتفاقية بازل بشأن التحكم في نقل النفايات الخطرة عبر الحدود والتخلص منها.

وتضع الاتفاقية البيئية الشاملة ضوابط على حركة النفايات الخطرة عبر الحدود والتخلص منها. وفي عام 2019، دخل تعديل اتفاقية بازل الخاص بالحظر حيز التنفيذ. ويحظر التعديل نقل النفايات الخطرة، بما في ذلك النفايات الإلكترونية، من بلدان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD)  وبلدان المفوضية الأوروبية إلى الدول الأخرى الأطراف في الاتفاقية.

وعلى الصعيد المالي، بلغت الخسائر الاقتصادية الإجمالية لإدارة النفايات الإلكترونية في عام 2022 ما يعادل 37 مليار دولار أميركي عالميًا. وتتمثل التكاليف الرئيسية في 78 مليار دولار أميركي من التكاليف الخارجية التي يتحملها السكان والبيئة، والناجمة عن انبعاثات الرصاص والزئبق، وتسربات البلاستيك، والمساهمة في ظاهرة الاحتباس الحراري، لا سيما في الحالات التي لا تُدار فيها المواد الخطرة بشكل سليم.

لن يغيّر هذا النص العالم، لكنه حتمًا سيغيّر مناخه قليلًا وقد يجعل كل قارئ يتذكر أن للنقرات بصمة كربونية تبقى خلفنا للأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة:

العملات الرقمية في لبنان: ملاذ آمن أم مغامرة جديدة؟

ثورة الذكاء الاصطناعي: الدليل الشامل لفهم التكنولوجيا التي تعيد صياغة العالم في عام 2026

البصمة الرقمية.. إرث لا يختفي في عالم بلا حدود

COMMENTS

WORDPRESS: 0
DISQUS: 0