كيف يفرض السباق إلى المعادن الاستراتيجية النادرة إيقاع الحروب والتوازنات الجديدة؟ وهل ستتمكن الولايات المتحدة من محاصرة الصين؟

HomeUncategorizedحروب

كيف يفرض السباق إلى المعادن الاستراتيجية النادرة إيقاع الحروب والتوازنات الجديدة؟ وهل ستتمكن الولايات المتحدة من محاصرة الصين؟

يتم غالبًا إغفال عامل رئيسي عن أسباب احتدام الصراعات الدولية، وهو المعادن الإستراتيجية النادرة الكامنة تحت الأرض. فصحيح أن النزاع على الأرض وا

ثورة الذكاء الاصطناعي: الدليل الشامل لفهم التكنولوجيا التي تعيد صياغة العالم في عام 2026
هل جعلت التكنولوجيا حياة الأمهات أفضل؟
95% من المحتوى الرقمي المزيف اليوم يُنتَج بتقنيات الديب فيك والذكاء الاصطناعي: كيف نحمي أنفسنا؟

يتم غالبًا إغفال عامل رئيسي عن أسباب احتدام الصراعات الدولية، وهو المعادن الإستراتيجية النادرة الكامنة تحت الأرض.

فصحيح أن النزاع على الأرض والقومية شكل سببًا رئيسيًا لاندلاع الحرب بين أوكرانيا وروسيا، وصحيح أن سعي الولايات المتحدة الأميركية لمنظومة القبة الذهبية في غرينلاند شكل دافعًا رئيسيًا لأن يطرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب شراء الجزيرة، إلا أن المعادن الاستراتيجية النادرة تشكل عاملا إضافيًا.  

فالولايات المتحدة تريد تنظيم سلاسل التوريد الخاصة بها، نظرًا لدور هذه المعادن في تصنيع التكنولوجيا والذكاء الإصطناعي، وذلك في مواجهة هيمنة الصين التي تتسلّح بامتلاكها حوالى ثلث الإحتياطي العالمي من هذه المعادن الاستراتيجية النادرة، فيما القدرات الأوروبية تشهد تراجعًا واضحًا في الإستثمار في هذا المجال الحيوي والآخذ في التوسع والتأثير.

أستاذ العلاقات الدولية الدكتور ابراهيم شاكر

يؤكد الباحث في العلاقات الدولية الدكتور ابراهيم شاكر أن “المعادن الاستراتيجية النادرة والسيطرة على سلاسل الإمداد تشكل عاملا محركًا للحروب من أوكرانيا إلى فنزويللا وغرينلاند”. يضيف أن “احتياطيات المعادن الكلاسيكية التقليدية مثل الفولاذ والنحاس معروفة أين هي موجودة في العالم تقريبًا، لكن الفرق بين المعادن الكلاسيكية التقليدية والمعادن الاستراتيجية النادرة يكمن في توظيف الأخيرة في شكل أساسي في خدمة التكنولوجيا المتقدمة والرقائق الإلكترونية بشكل خاص. وهي موجودة في مناطق محدودة في العالم من بينها أوكرانيا والصين وروسيا وغرينلاند التي تحتوي على كم هائل من هذه الإحتياطيات”.

Table of Contents

الدكتور شاكر: يحتدم الصراع على المعادن الكلاسيكية التقليدية

لأنها توظف في خدمة التكنولوجيا وتصنيع الرقائق الإلكترونية

يضيف الدكتور شاكر أن “منطقة المحيط المتجمد الشمالي ومن ضمنها كندا لا تزال منطقة غير مكتشفة بما فيه الكفاية، وهي تحتاج إلى معدّات حديثة وتكنولوجيا متقدمة جدا. لذلك فإن الطمع الأميركي للإستحواذ على هذه الموارد من العوامل المحرّكة للسياسة الأميركية الحالية، التي تسعى للحصول على مختلف مصادر الطاقة، كما حصل في فنزويللا التي تملك من جهتها إحتياطيات هائلة من النفط والغاز وكذلك إيران التي لديها مخزون نفطي كبير. وكذلك بالنسبة إلى المعادن فهي ثروة جديدة قديمة ولكن تزايدت أهميتها وصارت حيوية أكثر لأغراض عسكرية ومدنية وعلمية”.

ما هي المعادن الاستراتيجية النادرة بحسب The Guardian ؟

 17 معدنًا تستخدم في صناعة الإلكترونيات

والسيارات والصناعات الدفاعية والطاقة المتجددة

وكالة المسح الجيولوجي الأميركي في عام 2024

قدرت وجود 110 ملايين طن من الرواسب المعدنية على مستوى العالم.

من بينها 44 مليون طن في الصين التي تُعد أكبر منتج عالمي بفارق كبير

 
قيود الصين على صادراتها تدفع الإدارة الأميركية إلى اتهامها بتهديد سلاسل الإمداد العالمية

المعادن الاستراتيجية النادرة في الدرع الأوكراني

تتميز أوكرانيا بغناها في مجال المعادن الاستراتيجية النادرة؛ وتؤكد المؤسسة غير الربحية JSTOR أن هذه المعادن تتركز في ما يُعرف بـ”الدرع الأوكراني” الممتد عبر إقليم الدونباس (يضم لوهانسك ودونيتسك) وزابوريجيا ودنيبروبتروفسك وصولا إلى كيروفوهراد وبولتافا وخاركيف. وتُعتبر أوكرانيا من بين أكبر البلدان عالميًا من حيث امتلاك الإحتياطات القابلة للإستخراج من الفحم والغاز والحديد والمنغنيز والنيكل وخامات التيتانوم واليورانيوم. كما تضم أكبر الرواسب المعروفة من الليثيوم (الضروري لصناعة بطاريات الطاقة الخضراء).

معادن أوكرانيا بحسب خريطة لمرصد النزاعات والبيئة

 

إنتاج الرقائق الإلكترونية في الولايات المتحدة يعتمد على النيون الأوكراني

وتؤكد دراسة وردت في CSISمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن أوكرانيا توفّر نحو 70% من إمدادات النيون في العالم و40% من إمدادات الكريبتون. علاوة على ذلك توفّر أوكرانيا 90% من النيون عالي النقاء المخصص لصناعة أشباه الموصلات والمستخدم في إنتاج الرقائق الإلكترونية لدى الصناعة الأميركية. وتُعدّ الصين واليابان وجنوب أفريقيا من بين المورّدين الرئيسيين الآخرين للنيون.

اليورانيوم الأوكراني يغذي الإحتياجات المتسارعة للذكاء الإصطناعي

واستنادًا إلى بحث في CIRSD، مركز العلاقات الدولية والتنمية المستدامة، فإن أوكرانيا تضم أكبر رواسب اليورانيوم في أوروبا، وهو العنصر الأساسي في توسيع إنتاج الطاقة النووية لتلبية الاحتياجات المتسارعة لمراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

ومعلوم أن المعارك الضارية مع روسيا تتركز في مناطق الدرع الأوكراني الغنية بالمعادن الاستراتيجية النادرة. وخلال أشهر بداية الحرب عام 2022، سيطرت روسيا على موارد معدنية وغازية أوكرانية تقدر قيمتها بأكثر من 12.5 تريليون دولار، وبنهاية ذلك العام، سيطرت روسيا على ما بين 50 و100% من إحتياطيات أوكرانيا من الليثيوم والتنتالوم والسيزيوم والسترونتيوم، أي المعادن الحاسمة للطاقة الخضراء والصناعات الدفاعية.

جندي أوكراني يطلق قذيفة باتجاه مواقع روسية في إقليم دونيتسك، أوكرانيا، في تشرين الثاني 2022. صورة من AP

يفسّر ما سبق التشدد الكبير الذي أولاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتوقيع اتفاقية المعادن مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي. وقد كان السيناتور الأميركي اليميني المتشدد ليندسي غراهام قد زار قبل ذلك أوكرانيا وأعلن أنه “على الولايات المتحدة إرسال أسلحة إلى أوكرانيا تحديدًا لأن فيها معادن تُقدّر قيمتها بتريليون دولار يمكن أن تكون مفيدة لاقتصادنا، وأن الإتفاق مع أوكرانيا سيجعل الولايات المتحدة أقل اعتمادًا على الخصوم الأجانب في ما يتعلق بالمعادن الاستراتيجية النادرة”.

مصافحة بين الرئيسين الأميركي والأوكراني في قمة دافوس 2026

توفر أوكرانيا 90 في المئة من النيون العالي النقاء

المستخدم في إنتاج الرقائق الإلكترونية في الولايات المتحدة

في هذا الشأن يقول الباحث في العلاقات الدولية الدكتور ابراهيم شاكر إن “اتفاق المعادن بين الولايات المتحدة وأوكرانيا هو اتفاق على ما تبقّى، لأن روسيا تمكنت في سنوات الحرب من السيطرة على المناطق الأوكرانية الغنية بالمعادن. وجغرافيًا تتمركز الكمية الكبرى من هذه الموارد الطبيعية النادرة مثل الليتيوم واليورانيوم في الأراضي التي احتلتها روسيا في الدونباس والمناطق المحيطة”.

شاكر: أميركا تريد قطع الطريق على الصين

التعاطي الأميركي مع أوكرانيا ينسحب على غرينلاند

هروب إلى الأمام لاستباق الأحداث والإستحواذ على الموارد

 يضيف شاكر أن “نهج ترامب مختلف عن نهج سلفه جو بايدن، وأولوية الإدارة الأميركية الحالية ليست كسر روسيا، كما تريد أوروبا التي تحفظ لسوريا نوعً من حقد تاريخي دفين. إنما نجد أن ترامب يعتمد  مرونة في التعامل مع الوقائع. والأميركي يريد أن يحيّد نفسه بأقل خسائر ممكنة على قاعدة أن ماذا سيكسب من الصراع؟ لا يهمّ أميركا إذا تقدمت روسيا على أوكرانيا وهدّدت أوروبا بالمباشر، لأن الحسابات الاستراتيجية السابقة باتت في موقع إعادة نظر. وما تريده الولايات المتحدة الأميركية هو قطع الطريق على الصين”.

يرى الدكتور شاكر أن سعي الولايات المتحدة الأميركية للسيطرة على المعادن الاستراتيجية النادرة هو جزء من استراتيجية الهيمنة الأميركية على العالم. والطريقة نفسها بالتعاطي مع أوكرانيا تنسحب على غرينلاند وكندا وفنزويللا التي تقوم على واحد من أكبر احتياطيي النفط والغاز في العالم. فالتخطيط الأميركي بعيد المدى أما نجاحه فيبقى متروكًا لما سيحمله المستقبل من تطورات.

لكنه من الواضح أن هناك محاولة لاستباق الأحداث من خلال الهروب إلى الأمام، والسيطرة على النفط الفنزويللي الذي هو ممول رئيسي للصين، إذ يحاول الأميركي أن يقطع عن الصين مصادر الطاقة التي تصلها من الخارج. فالصين متقدمة في مجال المعادن الاستراتيجية النادرة لكنها لا تزال تحتاج إلى النفط والغاز اللذين تفتقدهما، ولا يكفي أن يكون عندها معادن.

(صورة لمعادن نادرة تستخدم في إنتاج الرقائق الإلكترونية (مولدة عن الذكاء الإصطناعي

الدور المتقدم للصين في استخراج المعادن الاستراتيجية النادرة

تستخرج الصين نحو 60% من المعادن النادرة عالميًا، وتنقّي وتكرّر نحو 90% من هذه العناصر الحيوية المستخدمة حاليًا في العالم، مستقبلة في مصانعها كميات كبيرة من المعادن المستخرجة في دول أخرى. في المقابل، كانت الولايات المتحدة وأوروبا قد تخلّتا تدريجيًا عن استخراج وتنقية هذه المعادن الاستراتيجية نظرًا لصعوبة استخراجها وكلفته الكبيرة ماديًا وبيئيًا. وهو ما أتاح تقدم الصين في هذا المجال.

ويشير تحقيق لصحيفة Le Figaroإلى أن الصين قررت تقييد صادرات هذه المعادن، ولا سيما عناصر سبعة منها، لأنها بذلك تسهم في عرقلة صناعات التكنولوجيات الأميركية الجديدة، إضافة إلى كبح القدرة العسكرية للولايات المتحدة. وتضيف الصحيفة أن “دونالد ترامب فهم أنه لا بد من الوصول إلى احتياطيات المعادن الاستراتيجية النادرة ووقف تقدم الصين. وسعى في أوكرانيا إلى تحديد نفوذه”.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ خلال اجتماعٍ عام 2017. كيودو نيوز عبر غيتي إيميجز

تنافس عالمي حاد على الموارد وعصر جديد للمعادن النادرة

يرى أستاذ العلاقات الدولية الدكتور ابراهيم شاكر أن “المناطق المفتوحة في العالم هي موضع طمع ومحاولة للإستحواذ عليها من القوى الكبرى. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يعتبر أن حصوله على غرينلاند سيقطع الطريق على روسيا وعلى الصين في السيطرة على هذه المنطقة. يريد ترامب أن يتحكم بشمال الكرة الأرضية”.

وردًا على سؤال إذا ما كان هذا الأمر يعكس الصراع الخفي بين أميركا والصين للإستحواذ على المعادن النادرة، يؤكد دكتور شاكر أن “الإستحواذ على المعادن الاستراتيجية النادرة ومصادر الطاقة المنتجة منها هو جزء من السباق على السيطرة العالمية، وبات من أهم عناصر التنافس العالمي”.

يضيف خبير العلاقات الدولية أن هذا العامل كان موجودًا في السابق، لكنه تقدم بالأهمية مع تطور التكنولوجيا والذكاء الإصطناعي، وبروز أسلحة جديدة مثل سلاح اللايزر. والمعادن الاستراتيجية النادرة مادة أساسية في كل من التصنيع العسكري والمدني والتكنولوجيا المتقدمة.

ويردف متابعًا: “نحن في عصر الصراع والتنافس على التكنولوجيا والمصادر الضرورية للتكنولوجيا المتقدمة”.

شاكر: نحن في عصر التنافس على التكنولوجيا

والمصادر الضرورية لهذه التكنولوجيا المتقدمة

التنافس الدولي الحاد على المعادن الاستراتيجية النادرة (صورة مولدة عن الذكاء الإصطناعي)

يضيف الدكتور شاكر “أنه في الأماكن الغنية بالمعادن والثروات، سوف تشتد حدة المنافسة والصراعات بما في ذلك الحروب، وستكون مرشحة لمرحلة الفوضى الخلاقة. فالوضع في ليبيا مثلا غير مستقر على الإطلاق لأن فيها الكثير من النفط والغاز، وكذلك بالنسبة إلى إيران التي تمتلك احتياطيًا نفطيًا هائلا، وهو من الأسباب غير المعلنة للصراع معها، أكثر بكثير من طبيعة النظام إذا ما كان أصوليًا أم غير أصولي”.

إلى المعادن سر…

من المؤكد أن الصراع على النفط لا يزال عاملا أساسيًا، لكن المعادن الاستراتيجية النادرة باتت تضاهيه في التأثير في تحديد العلاقات الدولية وميادين الصراعات في عصر الجغرافيا السياسية العالمية المدفوعة بالموارد.

يتنامى دور هذه المعادن بشكل مضطرد نظرًا لتأثيرها في الثورة الجديدة التي يشهدها العالم وهي ثورة الذكاء الإصطناعي التي تتطلب تطويرًا مستمرًا في التقنيات التكنولوجية والرقائق الإكترونية التي تشكل المعادن مصدرًا أساسيًا في تصنيعها.

المعادن الاستراتيجية النادرة تفرض توازنات وحسابات دولية جديدة

الصراع الدولي يتفاقم على المعادن الاستراتيجية النادرة (صورة مولدة من الذكاء الإصطناعي)

الصراع الدولي يتفاقم على المعادن الاستراتيجية النادرة (صورة مولدة من الذكاء الإصطناعي)

للصين موقعها المتقدم نتيجة غناها بالثروة الطبيعية المعدنية وتحولها إلى أكبر منتج عالمي للمعادن النادرة، كما أن روسيا حجزت موقعًا لها سواء من خلال ثرواتها الطبيعية أم من خلالها استيلائها على منطقة الدونباس الأوكرانية وما تحتويه من معادن استراتيجية نادرة.

أما الولايات المتحدة فلا تستكين، تسعى بقوة وإصرار إلى الإحتفاظ بالقدرة على السيطرة على المعادن لأن في هذه المعادن إستمرارية لسيطرتها التكنولوجية المتقدمة.

ومن الواضح أن الطرف الدولي الأكثر تراجعًا في هذا الصدد هو أوروبا التي يفهم تشددها في موضوع غرينلاند أخيرًا لمحاولة استرجاع نوع من التوازن المفقود.

إلى المعادن سر.. لعلّه الشعار البارز في إيقاع الحروب والصراعات والسياسة الدولية.

هذا الإيقاع الذي فرضته التكنولوجيا في أيامنا المعاصرة، سواء في ابتكار أساليب استخدامها في التجسس على العدو والمنافس، وشن الحروب ضده، أم في السعي لامتلاكها وتحصيل أكبر قدر من مواردها الكامنة في المعادن الإستراتيجية النادرة.

مقالات ذات صلة:

المسيرات الأوكرانية: كيف غيرت قواعد الحرب الروسية الأوكرانية؟

مشروع “إستير”: “إسرائيل” تدير معركة الرواية الرقمية بـ 7 آلاف دولار!

4 أدوات رقمية استخدمها جيش الاحتلال الإسرائيلي في حربه على غزة

الروبوتات العسكرية الأرضيةتفرض إيقاع القوة القصوى حروب من دون مقاتلين

COMMENTS

WORDPRESS: 0
DISQUS: