في عام 2017، دخلت بريجيت ماكرون قصر الإليزيه بصفتها السيدة الأولى لفرنسا، البلد الذي رفع شعارات الحرية والمساواة والدفاع عن كرامة النساء.وكما جرت الع
في عام 2017، دخلت بريجيت ماكرون قصر الإليزيه بصفتها السيدة الأولى لفرنسا، البلد الذي رفع شعارات الحرية والمساواة والدفاع عن كرامة النساء.وكما جرت العادة، اتجهت الأنظار نحو السيدة الأولى، ولكن بشكلٍ مفاجئ، وجدت بريجيت نفسها وسط “محاكمة بيولوجية”حيث تسابق الصحافيون ومنصات التواصل الاجتماعي على التشكيك في هويتها الجنسية.
لم تُحاكَم بريجيت على أفكارها، ولا على إنجازاتها التربوية كونها معلّمة ولا حتى على لبسها بل تحوّلت إلى ضحية تنمّر عابر للحدود حول هويتها الجنسية ووجودها كأنثى بلغ حدّ الملاحقات القضائية لإثبات ما لا يُفترض أن يكون موضع نقاش .
كل ذلك جعل من بريجيت ماكرون امرأة تحت مجهر التنمّر الجماعي، ضحية أصحاب الأفكار التآمرية والذكورية. لكن هذا الموقع لم يدم طويلًا إذ سرعان ما تبدّل المشهد وبدّل التنمر موقعه.

بريجيت ماكرون ومعركة إثبات الأنوثة في
لم تكن بريجيت ماكرون الضحية الوحيدة لهذا النمط من الهجوم فقد سبق واستهدفت سيدات أخريات في مراكز السلطة بأخبار كاذبة تهاجم هويتهن الجنسية، مثل السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما ونائبة الرئيس الأمريكي السابق كامالا هاريس. هذه الادعاءات، التي غالباً ما تحمل نبرة “معادية للمتحولين جنسياً” تستخدم كسلاح سياسي لكسر صورة المرأة.
في السيناريو الفرنسي لبريجيت، بدأت شرارة القصة في ديسمبر 2021، عندما انتشر فيديو على “يوتيوب” مدته أربع ساعات، ادعت فيه امرأتان “ناتاشا ري” و”دلفين جقاند” (ري تزعم أنها صحافية مستقلة) أن السيدة الأولى ولدت ذكراً باسم “جان ميشيل تروجنيو”. هذه الإشاعة التي انتشرت بسرعة
فائقة وتخطت الحدود الفرنسية وقد بلغت القضية ذروتها عالمياً عندما تبنت شخصيات إعلامية يمينية، مثل الأمريكية كانديس أوينز، هذه النظرية، معلنةً عبر منصاتها أنها تراهن بمسيرتها المهنية لإثبات صحة الادعاء. وفي عام 2024، أنصف القضاء الفرنسي بريجيت ماكرون، حيث حكمت محكمة باريس الجنائية على المرأتين اللتين أطلقتا الإشاعة بغرامات مالية وتعويضات، بعد أن أثبتت التحقق من صحة وثائق بريجيت المدنية.
وفي تطور موازٍ في أكتوبر 2025، توسعت الدائرة القانونية لتشمل ملاحقة 10 أشخاص آخرين بتهم التنمر الإلكتروني وتشويه السمعة المرتبط بذات القضية.
لقد وجدت بريجيت ماكرون نفسها مضطرة لتقديم أدلة تصويرية وعلمية وشهادات ميلاد أمام القضاء لإثبات أنوثتها، مما جعل قضيتها تتحول من مجرد “شائعة إنترنت” إلى اختبار حقيقي وأخلاقي للتوازن بين حرية التعبير من جهة، وحماية الحياة الخاصة والكرامة الإنسانية للنساء من جهة أخرى.
سقطة “القذرات”: كيف تحولت بريجيت ماكرون من ضحية تنمّر إلى عدوّة للنسويات؟
في تناقضٍ حاد مع صورتها كضحية للتنمّر، انتشر فيديو من كواليس حفلٍ كوميدي للفرنسي آري أبيتان قبل صعوده إلى المسرح في أحد عروضه. ووفقًا لما وثّقه الفيديو، كان أبيتان يشتكي أمام السيدة الأولى من الضغوط التي يواجهها من ناشطات نسويات خارج عرضه، لتردّ عليه بريجيت ماكرون ضاحكةً بعبارة أثارت عاصفةً من الجدل: «هؤلاء القذرات، سنطردهن».
ما زاد حدّة الموقف لم يكن الوصف بحدّ ذاته فقط بل هوية الكوميدي نفسه. فأبيتان كان قد واجه اتهامات قضائية بالاغتصاب قبل أن يُبرّأ في وقت عبّرت فيه ناشطات نسويات عن غضبهن من استئنافه حياته المهنية وكأن شيئًا لم يكن. من هنا، بدا دعم السيدة الأولى لشخصٍ يواجه مثل هذه التهم كطعنةٍ مباشرة لنضال الحركة النسوية وتجاهلًا لمشاعر الضحايا، ما أسقط عنها قناع “الضحية” والمدافعة عن حقوق النساء.
وسرعان ما تحوّلت عبارة بريجيت ماكرون التي وصفت فيها الناشطات
«#salesconnes» إلى هاشتاغ متداول، استخدمه كثيرون لإعلان وقوفهم إلى جانب الناشطات النسويات، تحت شعار: «إذا كان الدفاع عن الضحايا يُسمّى قذارة، فنحن قذرات».
هذا الانزلاق الكلامي لم يمرّ مرور الكرام في الأوساط الفرنسية. ورغم اعتذار السيدة الأولى عن العبارات التي وُصفت بالمُهينة بحق ناشطات نسويات، شدّدت في المقابل على أنّ كلامها قيل «بعيدًا عن الكاميرات»، معتبرةً أنّ من حقّها التعبير عن رأيها في إطارٍ خاص، وقالت: «في السياق الخاص، يمكنني أن أتصرف بطريقة غير لائقة… للناس الحق في شرارة اضافية للهجوم عليها مجددا التعبير عن آرائهم بحرية وهذا ما جعل من اعتذارها

علقت بريجيت ماكرون في عاصفة من التناقضات التي يصعب حسمها فهي المرأة التي جسدت صموداً في وجه حملات التنمر وأرسلت رسالة قوية للنساء مفادها أن الصمت ليس خياراً حين قررت اللجوء للمحاسبة القانونية. ولكن، سرعان ما انقلب المشهد فالسيدة نفسها التي حاربت التشكيك بالمرأة، سقطت في فخ لغتها الإقصائية القاسية والذكورية حين وصفت نساءً بألفاظ تعكس فكراً يتنافى مع كل ما قامت به لأجل كرامتها الشخصية.
إن التوازن بين كوننا بشراً نخطئ وبين مسؤولياتنا العامة هو ميزان حساس لم تستطع بريجيت الحفاظ عليه.
فالحرية في كواليس الأصدقاء لا تبرر انتهاك كرامة الآخرين، والنشاط النسوي الحقيقي لا يتجزأ، ولا يُفصّل على مقاس المناصب والظروف أو المكانات والأشخاص.
إن المزاح في قضايا مفصلية لا يُعتبر مجرد “نكتة”بل هو “موقف” بحد ذاته فالمبادئ التي لا تصمد في الكواليس هي مبادئ هشة صالحة للاستهلاك الإعلامي فقط.
لقراءة المزيد: اضغط هنا


COMMENTS