في مثالٍ واضح على جدّية التحوّل العالمي في التعامل مع الذكاء الاصطناعي في التعليم، حصل الاتحاد الأميركي للمعلمين، أحد أكبر نقابات المعلمين في الو

في مثالٍ واضح على جدّية التحوّل العالمي في التعامل مع الذكاء الاصطناعي في التعليم، حصل الاتحاد الأميركي للمعلمين، أحد أكبر نقابات المعلمين في الولايات المتحدة، خلال الأشهر القليلة الماضية، على تمويلٍ بلغ 23 مليون دولار من ثلاث شركات عالمية عملاقة عاملة في مجال الذكاء الاصطناعي، هي Microsoft وOpenAI وAnthropic، وذلك بهدف إنشاء أكاديمية وطنية متخصصة في الذكاء الاصطناعي تُعنى بتدريب المعلمين وتأهيلهم على استخدام هذه التقنيات داخل الصفوف التعليمية.
هذا الاستثمار لا يعكس انتشار الذكاء الاصطناعي فحسب، بل يؤشر إلى اعتراف مؤسساتي صريح بأن هذه التكنولوجيا أصبحت عنصرًا بنيويًا في العملية التعليمية، وأن التعامل معها لم يعد خيارًا فرديًا، بل سياسة تعليمية تتطلب تمويلًا، تخطيطًا، وبناء قدرات بشرية.
فاليوم، لم تعد أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والمنصات الرقمية إضافات ثانوية، بل تحوّلت إلى مكوّنات أساسية في الواقع التعليمي اليومي، ما يفرض انعكاسها على المناهج وأساليب التدريس، ولا سيما في التعليم الجامعي.
غير أن هذا التحول الجدي والسريع كشف في المقابل عن فجوة حقيقية داخل المؤسسات الأكاديمية، لا تتعلق بالمناهج أو بالطلاب بقدر ما تتصل بجاهزية المدرسين والأساتذة الجامعيين أنفسهم لمواكبة هذا المسار الجديد.
الذكاء الاصطناعي في التعليم: عندما يصبح تعلّم “الأساسيات” التكنولوجية ضرورة ملحّة
بالنسبة للطلاب، ولا سيما الجيل الشاب، بات الذكاء الاصطناعي جزءًا بديهيًا من الحياة اليومية. يستخدمونه في البحث، التحليل، التنظيم، وحتى في التعلم الذاتي من دون شعور بالغربة أو التعقيد تجاه هذه الأدوات
في المقابل، يواجه عدد من الأساتذة، وخصوصًا من الجيل الذي سبق الثورة الرقمية، صعوبة حقيقية في التكيّف مع هذا التحول المفاجئ، الذي فرض نفسه بوتيرة أسرع من قدرة كثيرين على استيعابه أو مجاراته.
وفق تقارير صادرة عن منظمات دولية مثل UNESCO، فإن نجاح دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم لا يعتمد فقط على تحديث المناهج، بل على تأهيل الكادر التعليمي ليكون قادرًا على فهم أسس الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، توجيه الطلاب لاستخدامها بشكل أخلاقي، وتطوير أساليب استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم المهني المستمر.
إلا أن تجارب العديد من الجامعات تشير إلى أن التحدي الحقيقي لا يبدأ عند الذكاء الاصطناعي، بل قبل ذلك.
فبعض الأساتذة ما زالوا بحاجة إلى فهم أساسيات التعامل مع الأنظمة الرقمية والتدرب على استخدام منصات التعليم الإلكتروني وعلى إدارة الملفات والبيانات.
فالكثير منهم لم يتلقَّ تدريبًا منهجيًا على الأدوات الرقمية الأساسية أو أنظمة التعليم الإلكتروني أو المهارات الحاسوبية المتقدمة أو حتى أساسيات استخدام التكنولوجيا في الصف.
يشير الدكتور في الهندسة والأستاذ الجامعي محمد رحّال إلى أن الإشكالية لا تكمن في التقليل من قيمة الأساتذة ذوي الخبرة الطويلة، بل على العكس، يمتلك الأساتذة الكبار في العمر رصيدًا معرفيًا وعلميًا لا يمكن لأي تقنية، بما فيها الذكاء الاصطناعي، أن تحلّ محلّه. إلا أن التحوّل التكنولوجي، ودخول الذكاء الاصطناعي في التعليم، غيّر طريقة نقل المعرفة وأساليب التعليم، ما يفرض اعتماد تدريب منهجي واستراتيجي، على مستوى وطني أو مؤسساتي، بدل الاكتفاء بحلول ظرفية أو محاولات ترقيع فجوات قائمة”
وهنا، لا تكمن المشكلة في رفض الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في غياب التأهيل التدريجي والمنهجي. فيصطدم الأستاذ بواقع جديد، يكون فيه الطالب أحيانًا أكثر معرفة أو أكثر راحة في استخدام هذه الأدوات والتقنيات، ما يخلق فجوة تربوية ومهنية يصعب تجاهلها.

فجوة الأساتذة في التعامل مع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في التعليم
في هذا السياق، يشير الدكتور في الهندسة والأستاذ الجامعي محمد رحّال، وهو في العقد الثالث من عمره، إلى أن الإشكالية لا تكمن في التقليل من قيمة الأساتذة ذوي الخبرة الطويلة، بل على العكس. فبرأيه، “يمتلك الأساتذة الكبار في العمر رصيدًا معرفيًا وعلميًا لا يمكن لأي تقنية، بما فيها الذكاء الاصطناعي، أن تحلّ محلّه”. إلا أن التحوّل التكنولوجي، ودخول الذكاء الاصطناعي في التعليم، “غيّر طريقة نقل المعرفة وأساليب التعليم، ما يفرض اعتماد تدريب منهجي واستراتيجي، على مستوى وطني أو مؤسساتي، بدل الاكتفاء بحلول ظرفية أو محاولات ترقيع فجوات قائمة”. ويؤكد أن هذا النوع من التدريب المهني المنظّم من شأنه أن “يساعد الأساتذة على التكيّف بشكل أفضل وأسهل مع التقنيات الجديدة، ويخفّف من حدّة مقاومتها أو من شعورهم بأنهم يواجهون هذا التحوّل وحدهم، خصوصًا في ظل وجود جيل من الطلاب، وحتى من الأساتذة الشباب، الذين نشأوا أساسًا في بيئة رقمية”.
من جهته، يقرّ خبير تكنولوجيا المعلومات (تقنية المعلومات) أ.م، خلال عمله في إحدى الجامعات، بوجود فجوة حقيقية في التعامل مع التكنولوجيا لدى بعض الأساتذة. ويوضح أن “بعضهم لا يرى في التكنولوجيا أولوية، لا سيما أن اختصاصاتهم لا تبدو، ظاهريًا، مرتبطة بها بشكل مباشر”. إلا أن الواقع التعليمي اليوم، كما يقول، “بات قائمًا إلى حدّ كبير على الأدوات الرقمية، في وقت يعتمد فيه الطلاب بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي”. ويشير إلى أن “هذه الفجوة تظهر أحيانًا في تفاصيل يومية بسيطة، إذ يطلب بعض الأساتذة المساعدة في مسائل أساسية، مثل التحقق مما إذا كان الكمبيوتر في وضعية السكون (Sleep)، أو فتح البريد الإلكتروني، أو التعامل مع البرمجيات ومنصات التخزين السحابي”. ويربط خبير تقنية المعلومات هذه المشكلة بجذور أعمق في النظام التعليمي، معتبرًا أن “مناهج التعليم، منذ المراحل المدرسية الأولى وحتى اليوم، لم تولِ التكنولوجيا الاهتمام الكافي، حيث لا تزال حصة التكنولوجيا، ولا سيما في المدارس الرسمية، تُعامل في كثير من الأحيان كحصة فراغ أو تُستبدل بمواد أخرى، ما يراكم الفجوة مع مرور الوقت”.
خاتمة: الذكاء الاصطناعي أداة… والإنسان هو الأساس
يمكن للذكاء الاصطناعي في التعليم أن يتحوّل إلى أداة دعم حقيقية للأستاذ الجامعي إذا ما أُحسن توظيفه. فاليوم، باتت تقنيات الذكاء الاصطناعي قادرة على مساعدة الأساتذة في أتمتة العديد من المهام الإدارية، بما يتيح للأساتذة التفرّغ أكثر للتفاعل الأكاديمي والتطوّر المهني. كذلك دور الذكاء الاصطناعي في تطوير المحتوى التعليمي وتحليل البيانات الأكاديمية، فضلًا عن دعمه المتنامي لمجال البحث الأكاديمي.
غير أن الاستفادة الفعلية من هذه الإمكانات تبقى مرهونة بقدرة الأستاذ نفسه على فهم هذه التطبيقات واستخدامها بوعي، ليس فقط لتسهيل مهامه، بل أيضًا لتوجيه الطلاب نحو استخدام مسؤول ونقدي لأدوات الذكاء الاصطناعي في التعليم.
من هنا، لا يكمن التحدي في الذكاء الاصطناعي بحدّ ذاته، بل في كيفية تمكين الأستاذ الجامعي من استخدامه بثقة وكفاءة. لذلك فالتدريب المستمر للأساتذة ولا سيما ذوي الخبرة الطويلة على الأدوات الجديدة، يشكّل شرطًا أساسيًا لتحويل الذكاء الاصطناعي في التعليم من مصدر قلق إلى رافعة لتحسين جودة التعليم الجامعي وتعزيز دور الأستاذ، لا إضعافه. وهنا يبرز مجددًا دور الجامعات. فالجامعة التي تطوّر مناهجها من دون تطوير كوادرها، تخاطر بتعميق الفجوة التعليمية. أما الجامعة التي ترافق أساتذتها في رحلة التعلّم والتأهيل المستمر، فهي الأقدر على بناء تعليم جامعي حديث، أخلاقي، ومستدام


COMMENTS