من رصاصة استهدفت ملالا يوسفزي إلى «رصاصة رقمية» غيّرت قوانين في لبنان، ما هي الموجة النسوية الرابعة .وكيف تحولت المنصات الرقمية إلى قوة نسوية ضاغطة
من رصاصة استهدفت ملالا يوسفزي إلى «رصاصة رقمية» غيّرت قوانين في لبنان، ما هي الموجة النسوية الرابعة .وكيف تحولت المنصات الرقمية إلى قوة نسوية ضاغطة

في عام 2012، وتحديداً في “وادي سوات” في شمال باكستان حيث كان الصمت يفرض بقوة السلاح وتمنع الجماعات المتطرفة الفتيات من الذهاب للمدارس. في وسط كل هذا القمع،قررت فتاة في الخامسة عشرة من عمرها أن تكسر الحصار بطريقتها الخاصة. لم تملك سلاحًا ولا جيوشاً بل تملك شيئاً واحداً فقط: مدونة إلكترونية على موقع BBC.
باسم مستعار، شاركت ملالا يوسفزي يومياتها البسيطة وسط القمع وسرعان ماتحول هذا الصوت إلى شهادة علنية ضد الظلم الذي تتعرض له الفتيات .
وحين حاولوا إسكاتها وإخفاء صوتها برصاصة في رأسها ظنوا أن الحكاية انتهت.لكن ما حدث هو العكس تماماً!
بفضل ‘الإنترنت’، تحولت مأساة ‘ملالا يوسفزي’ إلى ‘زلزال رقمي’ عالمي. فجأة، لم يعد صوتها محاصراً في وادي سوات، بل أصبح ملايين البشر يطالبون بحق الفتيات في التعليم عبر منصات التواصل.
وقد أثبتت ‘ملالا’ للعالم في 2012 أن التكنولوجيا قادرة على نقل صوت الفتيات من العزلة إلى العالم وكانت تلك هي اللحظة التي أدركت فيها القوى التقليدية أن ‘مدونات’ و’تغريدات’ الفتيات الصغيرات قد تكون أخطر من المدافع.
ولربما كانت هذه الحادثة أحد أبرز المؤشرات على ظهور الموجة الرابعة من النسوية.
سياق نسوي رقمي جديد
على الرغم من صعوبة التحديد الدقيق لبداية الموجة الرابعة وعدم وجود أرشيف أكاديمي واحد متفق عالميًا على تاريخ بداية الموجة النسوية الرابعة إذ تختلف الآراء بين من يربطها بـ #MeToo في 2017، ومن يعتبر أن الظهور المبكّر لمواقع التواصل الاجتماعي (مثل فيسبوك/انستغرام) عام 2012 كانت نقطة انتقال تدريجي نحو النسوية الرقمية إلا أن الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي أدى بوضوح إلى ولادة نشاط نسوي من نوع جديد وتشير بعض المصادر إلى أن مصطلح ‘الموجة النسوية الرابعة’ بدأ يظهر فعلياً عام 2012 مع ادخال وسائل التواصل الإجتماعي إلى حياتنا اليومية. موجة تأتي امتداداً لثلاث موجات سبقتها منذ منتصف القرن التاسع عشر، طالبت من خلالها النساء بالحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية والمساواة.
لم تكن هذه الموجة ردة فعل على التكنولوجيا بل هي تُمثّل نقطة التقاطع بين التكنولوجيا الحديثة والتقنيات الرقمية والحراك النسوي التقليدي . حيث لم تعد وسائل التواصل الإجتماعي والتكنولوجيا مجرد وسيلة تواصل بل أصبحت هي ‘الميدان الجديد’ للنضال، والمساحة التي تُعاد فيها صياغة المطالب النسوية بطريقة عابرة للحدود.
وما يميّز هذا الميدان الجديد هو ‘شعبنة النسوية ‘؛ ففي هذه الموجة، لم يعد النضال النسوي محصوراً للنخبة أو الطبقة أو أصحاب السلطة والنفوذ السياسي بل أصبح ملكاً لكل امرأة تملك قصة وشاشة. هذا التحول الرقمي مكّن المرأة من تحويل المعاناة الفردية إلى قضية رأي عام، وجعل من ال وال Repost Share وال Hashtag أدوات ضغط لا تملك أقوى الأنظمة القدرة على تجاهلها.

بين النضال والترند: هل أفرغت الرقمية النسوية من مضمونها وتأثيرها؟
مع صعود الموجة النسوية الرابعة، تعالت أصواتٌ تتهمها بتحويل نضالٍ تاريخي طويل إلى مجرّد «ترند» عابر، سريع وسخيف خلف الشاشات. غير أنّ قراءة متأنّية لمسار هذه الموجة تكشف وجهًا مختلفًا تمامًا ,فالمنصات الرقمية لم تكن يومًا غاية بحد ذاتها، بل أداةً للوصول والتأثير.
ورغم ما شاب هذا المسار من تجاوزات أو انحرافات عن جوهر القضية واللجوء للترند إلا ان التكنولوجيا قد نجحت في تحويل الفضاء الرقمي إلى ساحة مشتركة و”أحيانًا” آمنة للمواجهة. هناك، اكتشفت النساء أن القصص التي طالما حُبست خلف الأبواب المغلقة ليست استثناءات فردية، بل تجارب قاسية مشتركة. هذا الإدراك منح آلاف النساء الجرأة على الكلام والمطالبة بحقوقهن والضغط لانتزاعها.
فما بدأ مع ملالا يوسفزي عام 2012 شكّل ما يمكن وصفه بـ«النموذج الأولي» للنسوية الرقمية. قد أثبتت ملالا أنّه في مواجهة جماعات متطرفة تحمل الرصاص، تمتلك النساء سلاحًا آخر لا يقلّ قوة: الفضاء الرقمي والكلمة العابرة للحدود. وما انطلق عالميًا مع ملالا، وجد له أرضًا خصبة في لبنان حيث خاضت النساء معارك لا تقلّ شراسة ضد قوانين تعود إلى منطق عصور سابقة.
في عام 2016، اندلعت واحدة من أبرز هذه المعارك من شاشات الهواتف والمنصات الرقمية، عبر سلسلة صور وفيديوهات صادمة انتشرت تحت وسم #إلغوا_522. الحملة، التي قادتها جمعية «أبعاد» تحت شعار «الأبيض ما بيغطي الاغتصاب»، استهدفت المادة 522 من قانون العقوبات اللبناني، والتي كانت تُسقط العقوبة عن المغتصب في حال زواجه من ضحيته. هنا، لعبت النسوية الرقمية دورًا محوريًا؛ ففي حين أظهرت الدراسات أنّ 1% فقط من اللبنانيين كانوا على دراية بوجود هذه المادة، نجحت المنصات الرقمية في كشفها للرأي العام وتعبئته.
وقد أثبتت التجربة اللبنانية أن «ما يبدأ على الإنترنت، لا يبقى على الإنترنت». فالميدان ذاته الذي حوّل ملالا من ضحية إلى أيقونة عالمية، هو الذي استطاع نقل القضية من الشاشات إلى الشارع، ثم إلى أروقة البرلمان اللبناني، حيث أُسقِطت المادة 522 نهائيًا في 16 اب 2017 مؤكّدًا أن الرقمية النسوية، رغم ما يحيط بها من جدل، ما زالت قادرة على إنتاج فعلٍ سياسي حقيقي يتجاوز منطق «الترند»

تاريخيًا، فرض كل عصر أدواته على الحركة النسوية، وكانت لكل موجة لغتها ومساحتها وأساليبها في المواجهة. والموجة النسوية الرابعة ليست استثناءً؛ فهي نتاج واقع رقمي لا يمكن تجاهله لأن الفضاء الرقمي ليس مجرد واقع افتراضي بل جزء أساسي من حياتنا. غير أن النسوية لم تفقد معناها حين انتقلت إلى الفضاء الإلكتروني، بل وجدت صوتًا جديدًا أكثر سرعة وانتشارًا وتأثيرًا. ورغم ما يرافق هذا الفضاء من تحديات أو سوء استخدام قد يتحول في بعض الأحيان في حالات سوء استخدامه إلى ساحة عنف والإساءة للمرأة. إلّا أن هدف النسوية الأساسي والجوهري يبقى ثابتًا: العدالة والمساواة السياسية والاجتماعية. واليوم، وإن أصبح الصوت رقميًا، فإنه لا يزال عاليًا وواضحًا، يضغط، ويواجه، ولربّما أكثر من أي وقت مضى.
لقراءة مقالات ذات صلة:
https://news.un.org/en/story/2025/11/1166411
للقراءة عن تأثير مواقع التواصل الإجتماعي على العقل:


COMMENTS