رقمنة الحب… من وردةٍ حقيقية إلى إشعارٍ فوري

HomeUncategorized

رقمنة الحب… من وردةٍ حقيقية إلى إشعارٍ فوري

مع اقتراب عيد الحب، لم تكن “سارة”، ابنة الـ17 عامًا، تبحث عن أكثر من تعارف بسيط يملأ وقتها بعد المدرسة، لتكون شبيهة برفيقاتها اللواتي لديهنّ حبيب سيم

من قلب بيروت… لبنان يخطو بثبات نحو النقل المستدام
“كبسة واحدة” قد تحوّل البيانات الرقمية إلى فريسة بيد القراصنة
95% من المحتوى الرقمي المزيف اليوم يُنتَج بتقنيات الديب فيك والذكاء الاصطناعي: كيف نحمي أنفسنا؟

مع اقتراب عيد الحب، لم تكن “سارة”، ابنة الـ17 عامًا، تبحث عن أكثر من تعارف بسيط يملأ وقتها بعد المدرسة، لتكون شبيهة برفيقاتها اللواتي لديهنّ حبيب سيمضين معهم ليلة عيد الحب

. قررت الشابة تحميل تطبيق المواعدة الشهير Tinder، كما تسمع في الأرجاء ومن خلال الحملات الدعائية الواسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في زمن رقمنة الحب والرائج بين أصدقائها، وأنشأت حسابًا يتضمّن اسمها وعمرها ومدينتها وبعض الصور اللتي اختارتها بدقّة منتقية الأجمل والأكثر جاذبية.

خلال أيام، تلقّت عشرات الرسائل. تعارف يبدأ بنقرة، واهتمام يبدو متبادلًا، ليُقاس لاحقًا بسرعة الردّ وعدد الإشعارات. بعد فترة قصيرة، تطوّر الحديث مع حساب جذّاب قدّم نفسه على أنه شاب يعيش في مدينة قريبة منها. جرى تبادل للصور والمعلومات الشخصية، قبل أن تتطور العلاقة وتصل الى علاقة قريبة تؤجّل موعد اللقاء الشخصي بعيدًا عن الهاتف واللوحات الالكترونية، بعد ان تعلّقت سارة بالشاب الوهمي انقلبت العلاقة الافتراضية عليهل كابوسًا لتتحول إلى تهديد وابتزاز إلكتروني.

تجربة سارة تختصر مسارًا يتكرّر مرارًا مع فتيات من جيلها وأكبر منها وحتى في سنٍّ أصغر منها بصمت مع كثير من المراهقين.

رقمنة الحب: من الرسائل الورقية إلى الإيموجي

في السابق، كان التعبير عن العاطفة يُقاس بالمبادرة والوقت والجهد مثل زيارة مفاجئة مثلًا، ورسالة مكتوبة بخط اليد وليست مولدة بالذكاء الاصطناعي انما بمجهود فكري وتعبيرًا فعليًا عن الأحاسيس، أو هدية تُسلَّم مباشرة باليد بعد طول تفكير بما ممكن ان تكون الهدية وكيف ستقدّم وبانتظار ردّة الفعل على الهدية عند اللقاء الفعلي.

اما اليوم وبعد رقمنة الحب، أصبحت رسالة “صباح الخير” لدى فتح عيونك إشعارًا يوميًا روتينيًا على واتساب ينذر بالمثابرة على اذا كنت تريد العلاقة ان تستمر او لا، بمعنى أن أي يوم يمنضي دون محادثة افتراضية تعني بأغلب الأوقات بعصرنا هذا خلاف بين الطرفين، هذا ولم ندخل بمن هو المبادر بإرسال الرسالة، أمّا الوردة فأصبحت رمزًا تعبيريًا (إيموجي)، والصورة المشتركة على إنستغرام إعلانًا علنيًا للعلاقة. ما يتطلب وجود دائم ومجهود لا يمكن الارتياح منه، إلّأ بعذر “انطفى تلفوني”.

المجهود العاطفي لم يختفِ، لكنه تغيّر شكله وتراجع حضوره الواقعي؛ من لقاء فعلي يعلن العلاقة إلى مشاركة صورة على مواقع التواصل الاجتماعي.

تطبيقات المواعدة

تطبيقات المواعدة مثل Tinder وBumble ومنصات التعارف المحلية تنظّم العلاقات عبر معايير سريعة: صورة شخصية، موقع جغرافي، جملة تعريفية قصيرة، وأحيانًا الديانة والمهنة.

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي عن رقمنة الحب في تطبيقات المواعدة
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي عن رقمنة الحب في تطبيقات المواعدة

بعض المستخدمين في لبنان يعتمدون على هذه التطبيقات لتوسيع دائرة التعارف خارج الحيّ أو الجامعة. شاب في بيروت يقول إنه تعرّف إلى شريكته الحالية عبر Tinder بعد أن حدّد نطاق البحث ضمن مسافة خمسة كيلومترات فقط.

في المقابل، تروي طالبة جامعية أنها حذفت التطبيق بعدما لاحظت أن معظم المحادثات تتوقف عند المجاملات السريعة من دون انتقال إلى لقاء فعلي. ورغم ذلك، تنتشر قصص تعارف ناجحة وصلت إلى الزواج، بدأت برسالة عبر فيسبوك أو عبر الرسائل الخاصة (Direct Messages) على إنستغرام.

تصميم تطبيقات المواعدة يقوم على إبقاء المستخدم في حالة تصفّح دائم. فكلما استمرّ في البحث، بقي حاضرًا على المنصة. كما أن الاعتماد على مؤشرات سريعة مثل الصورة أو الموقع الجغرافي يجعل الانطباع الأول حاسمًا، بينما تبقى عناصر مثل التوافق الفكري ونمط الحياة خارج التقييم العميق.

مخاطر تطبيقات المواعدة

في المقابل، تتسع المخاطر مع غياب ضوابط صارمة تمنع انضمام القاصرين والمراهقين أو تحدّ من الحسابات الوهمية. لم يعد الحال آمنًا بعد رقمنة الحب، فعند أي لحظة غضب قد تكون بعد مشاركة تفاصيل شخصية، من مكان الدراسة إلى الروتين اليومي والصور الخاصة ستفتح الباب أمام الاستهداف أو الابتزاز الإلكتروني.

كما تنتشر حسابات مزيفة تُستخدم لاستدراج المستخدمين إلى روابط خارجية أو تطبيقات غير موثوقة. وفي الآونة الأخيرة، برزت حملات احتيال إلكتروني تعتمد على إنشاء ملفات شخصية جذّابة بهدف بناء علاقة سريعة، قبل طلب تحويلات مالية أو الحصول على صور خاصة لاستعمالها في الابتزاز.

علاقات رقمية أكثر حضورًا وأكثر هشاشة

بين صفحات وهمية تراقب عن بُعد، وهدايا افتراضية تحلّ محلّ الهدية الفعلية التي تفرض بذل مجهود فعلي لا فقط كبسة زر، تبدو العلاقات أكثر حضورًا على الشاشة، لكنها أكثر هشاشة خارجها. من هنا، تتجدّد الأسئلة حول حدود الأمان في العلاقات الرقمية، خصوصًا لدى المراهقين والشباب، انطلاقًا من صحّة الحب من خلال اللامجهود وصولًا الى حد الابتزاز عند أوّل مفترق.

COMMENTS

WORDPRESS: 0
DISQUS: