في مقاربة ظاهرة الجيوش الإلكترونية في لبنان، لا يمكن تجاهل أنّ المنشورات السياسية تبقى من بين أكثر أنواع المحتوى تفاعلًا على وسائل التواصل الاجتماعي،
في مقاربة ظاهرة الجيوش الإلكترونية في لبنان، لا يمكن تجاهل أنّ المنشورات السياسية تبقى من بين أكثر أنواع المحتوى تفاعلًا على وسائل التواصل الاجتماعي، لا لأنها وحدها تثير النقاش، بل لأنها تشكّل مساحة جاهزة للاشتباك الحزبي المنظّم.
من هنا، جاء اختيار منشور سياسي كنموذج، لا بوصفه محرّكًا للأحداث، بل باعتباره مرآة لآليات التفاعل الرقمي التي تعتمدها البيئات الحزبية المختلفة.
الرأي الرقمي أحرز قرارًا حكوميًا
بدأ الجدل حول صخرة الروشة على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد إعلان الأمين العام الحالي لـ«حزب الله» نعيم قاسم، في مؤتمر صحافي سابق، نيّة إضاءة الصخرة بصورة الأمين العام السابق للحزب حسن نصر الله، الذي اغتالته إسرائيل خلال حرب الإسناد التي خاضها الحزب دعمًا لفلسطين، وذلك في الذكرى الأولى لاغتياله.
هذا الإعلان أطلق نقاشًا رقميًا واسعًا، انقسمت فيه الآراء بين مناصري بيئة المقاومة الذين رأوا في الخطوة بعدًا رمزيًا وسياسيًا، وبين معارضين اعتبروا أنّ صخرة الروشة معلم وطني جامع لا يجب إخضاعه للرموز الحزبية. ومع تصاعد هذا الاشتباك الإلكتروني، عبّر عدد من نواب بيروت عن مواقفهم عبر حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن يصل النقاش لاحقًا إلى مستوى القرار الرسمي في مجلس الوزراء.
نموذج للاشتباك الرقمي
في هذا المناخ، جاء منشور رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع كنموذج إضافي لطبيعة التفاعل الحزبي على مواقع التواصل الاجتماعي. المنشور لم يوسّع انتشار القضية، ولم يكن نقطة بدايتها، لكنه شكّل مساحة واضحة لرصد كيف تتحرّك الجيوش الإلكترونية عند أي موقف سياسي معلَن.
التفاعل، الذي بلغ نحو 900 تعليق، لم يكن عشوائيًا، بل اتّسم بتكرار لافت للرموز والعبارات نفسها، ما يفتح الباب أمام قراءة أعمق لآليات التعبئة الرقمية.
رسالة واحدة بأصوات جماعية
من أبرز ملامح هذا التفاعل، التكرار المكثّف لهاشتاغي #كلام_حكيم و#الدولة_بوجه_الدويلة من قبل مناصري «القوات اللبنانية». تكرار الهاشتاغات ذاتها، بالصيغة نفسها، لا يهدف إلى النقاش بقدر ما يسعى إلى تثبيت رسالة سياسية محدّدة وإظهارها وكأنها رأي عام واسع بأعداد كبيرة قد تكون من حسابات وهمية، إذ ما يهم على خاصيّة التعليقات هو الميزة العددية لا النوعية.
في المقابل، لا يختلف الأمر لدى الرأي الآخر ألا وهم مناصري حزب الله بحيث اعتمد مناصرو بيئة المقاومة أسلوبًا مشابهًا من خلال تكرار صورة الإصبع المضيء على صخرة الروشة. هذا الرمز ليس عابرًا، إذ ارتبط بالأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله، الذي اشتهر برفع إصبعه في خطاباته، ما جعل الصورة تختصر موقفًا سياسيًا كاملًا من دون الحاجة إلى شرح.

التكرار كأداة للحضور الرقمي
في الحالتين، لا تكمن أهمية الهاشتاغ أو الصورة في مضمونها الفردي، بل في تكرارها المنظّم. التكرار هنا لا يضيف معلومة جديدة، بل يؤدّي وظيفة أخرى:
• توحيد الخطاب داخل البيئة الحزبية
• إغراق مساحة التعليقات برسالة واحدة
• تحويل النقاش من تبادل آراء إلى استعراض حضور رقمي واسع
وهنا تحديدًا، تظهر ملامح الجيوش الإلكترونية: مجموعات من المستخدمين تتحرّك ضمن منطق واحد، تعبّر بالصيغة نفسها، وتعيد إنتاج الرموز ذاتها.
بين التعبير والتنظيم
لا يعني توصيف هذا السلوك بالضرورة وجود توجيه مباشر، لكنه يسلّط الضوء على سلوك رقمي مسيّر أكثر مما هو تفاعل فردي عفوي. فحين تتكرّر العبارات نفسها، والصور نفسها، وبالتوقيت نفسه، يصبح النقاش أقرب إلى تعبئة إلكترونية منه إلى حوار مفتوح.
ما تكشفه تجربة صخرة الروشة ليس فقط انقسامًا سياسيًا، بل تحوّل وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحة اشتباك حزبي منظّم، حيث تُستخدم الهاشتاغات والصور والتعليقات الموحدة كأدوات سياسية، وتُدار المواجهة الرقمية بمنطق “القطيع” الجيوش الإلكترونية.
وفي هذا المشهد، يبقى الرأي العام الرقمي عرضة للالتباس: هل هو تعبير حقيقي عن مزاج الناس، أم نتيجة تكرار مدروس لرسائل جاهزة من حسابات قد تكون وهمية ولكنها عدد إضافي، داخل فضاء افتراضي؟
في المحصّلة، لا يمكن فصل النقاش حول صخرة الروشة عن السياق الأوسع الذي باتت فيه وسائل التواصل الاجتماعي لاعبًا أساسيًا في الحياة السياسية اللبنانية. فما يظهر على الشاشات لا يعكس دائمًا مزاجًا شعبيًا حرًّا بقدر ما يكشف عن أنماط تفاعل منظّمة تُدار بالأرقام والتكرار والرموز. وبين رأي يرى في هذه المنصّات مساحة تعبير مفتوحة، وآخر يعتبرها ساحة تعبئة موجّهة، يبقى السؤال مطروحًا حول قدرة اللبنانيين على التمييز بين الرأي العام الحقيقي والرأي المُصنَّع رقميًا. وفي بلد تتداخل فيه السياسة مع الرموز والهويّات، يبدو أنّ المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل أيضًا على الشاشات.


COMMENTS