من تزوير نبرات الصوت إلى التلاعب بملامح الوجه، تقنية 'الديب فيك' تضع مصداقية العالم على المحك.
تقنية الديب فيك تتيح إنشاء صور وفيديوهات ومقاطع صوتية مزيفة تبدو واقعية إلى حد يصعب تمييزه عن الحقيقة. هذه الظاهرة لم تعد مجرد تطور تقني، بل أصبحت تؤثر بشكل مباشر على الإعلام، والسياسة، والمجتمع، مما يطرح أسئلة جوهرية حول مصداقية المحتوى الرقمي وقدرة المستخدمين على التمييز بين الواقع والزيف.
تكشف هذه التقنية الدور المزدوج للتكنولوجيا: فهي من جهة سبب في انتشار التضليل والمعلومات المضللة، ومن جهة أخرى تقدم أدوات وأساليب للتحقق من المحتوى ومكافحة التزييف.
هل ما زال الفيديو دليلاً يمكن الوثوق به؟
يقول مهندس البرمجيات خالد فريجي: أنه لفترة طويلة، كان الفيديو أقوى أشكال الأدلة. ما نراه بأعيننا ونسمعه بآذاننا كان يُعتبر حقيقة لا تحتاج إلى نقاش. الاعتراف المصوّر، الخطاب المسجّل، أو حتى مقطع قصير بهاتف محمول، كان كافياً لإقناع الناس بأن ما حدث حقيقي.
اليوم، هذا الأمر تغيّر جذرياً مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبح من الممكن تزوير الفيديوهات بدقة عالية تجعل التمييز بين الحقيقي والمزيّف أمراً صعباً حتى على المختصين. لم يعد التزوير يحتاج إلى معدات احترافية أو خبرات سينمائية، بل يمكن تنفيذه باستخدام أدوات رقمية متاحة وسهلة الاستخدام.
الأخطر من التزوير نفسه هو تأثيره على الثقة. عندما يعرف الناس أن الفيديو يمكن أن يكون مزيفاً، يبدأ الشك بالتسلل إلى كل ما يشاهدونه. في هذه الحالة، لا يعود الفيديو دليلاً قاطعاً، بل مجرد معلومة تحتاج إلى تحقق إضافي. وهذا يضع الإعلام، القضاء، وحتى العلاقات الاجتماعية أمام تحدٍ جديد.
في الوقت نفسه، ظهر خطر معاكس لا يقل أهمية. البعض بات ينكر الفيديوهات الحقيقية بحجة أنها مزيفة وهذا ما يخلق بيئة خطيرة تختلط فيها الحقيقة بالإنكار، ويصبح من السهل الهروب من المسؤولية عبر التشكيك بكل دليل مصوّر.
لذلك، يمكن القول إن الفيديو لم يفقد قيمته بالكامل، لكنه لم يعد كافياً وحده. في عصر الديب فيك، الحقيقة تحتاج إلى سياق، ومصادر متعددة، ووعي نقدي. لم نعد نعيش زمن تصديق الصورة فوراً، بل زمن السؤال قبل الإيمان.

كيف يمكن لفيديو مزيف أن يبدو حقيقياً إلى هذا الحد؟
أضاف: أن السبب الأساسي هو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد يقلّد الإنسان بشكل سطحي، بل يتعلّم منه. أنظمة الديب فيك تُدرَّب على آلاف الصور ومقاطع الفيديو لشخص معيّن، فتتعلّم تفاصيل دقيقة جداً مثل تعابير الوجه، حركة الشفاه، طريقة النظر، وحتى ردود الفعل الطبيعية أثناء الكلام.
مع الوقت، لا يقوم النظام بنسخ صورة ثابتة، بل يعيد بناء الشخص رقمياً. كل حركة في الوجه تصبح متوقعة، وكل صوت يمكن إعادة تركيبه بنبرة قريبة جداً من الأصل. لذلك، عندما نشاهد الفيديو، لا نرى أخطاء واضحة أو حركات غير طبيعية كما كان يحدث في السابق.
عنصر آخر يجعل الفيديو المزيف مقنعاً هو السياق. عندما يُعرض الفيديو ضمن قصة منطقية أو حدث متوقّع، يميل العقل البشري إلى التصديق تلقائياً. نحن لا نحلّل كل إطار، بل نثق بما نراه، خاصة إذا كان الشخص معروفاً أو المقطع منتشراً على نطاق واسع.
كما أن التطور في جودة الصورة والصوت يلعب دوراً كبيراً. الذكاء الاصطناعي اليوم قادر على تحسين الإضاءة، مزامنة الصوت مع حركة الشفاه، وإزالة العيوب البصرية التي كانت تكشف التزوير سابقاً. النتيجة تكون فيديو يبدو طبيعياً ومألوفاً للعين.
لهذا السبب، يبدو الفيديو المزيف حقيقياً إلى هذا الحد. ليس لأنه مثالي، بل لأنه يستغل طريقة إدراكنا للواقع، ويخاطب ثقتنا بالصورة أكثر مما يخاطب قدرتنا على الشك.
لمعرفة كيف لصورة واحدة تركيب خوارزميات اضغط على الرابط هنا:
https://youtu.be/-r_2a064dWY?si=M02IJEVBzTVDps94
الذكاء الاصطناعي يخلق أصواتاً مزيفة!!
يقول المهندس أنه مع الأسف الشديد أصبح من الممكن تزوير صوت أي شخص تقريباً إذا توفّر تسجيل كافٍ له. الذكاء الاصطناعي اليوم لا يحتاج إلى ساعات طويلة من الصوت كما في السابق. في بعض الحالات، بضع دقائق من تسجيل واضح تكفي ليتمكّن النظام من تعلّم نبرة الصوت، طريقته في الكلام، السرعة، وحتى التوقفات والتنفس.
ما يفعله الذكاء الاصطناعي ليس تقليداً بسيطاً، بل إعادة بناء رقمية للصوت. يتم تحليل الموجات الصوتية، ثم إنشاء نموذج قادر على إنتاج جمل جديدة لم يقلها الشخص أبداً، لكن بصوته نفسه. والنتيجة تكون مقنعة لدرجة أن حتى الأقارب أو الأصدقاء قد لا يلاحظون الفرق.
خطورة تزوير الصوت تكمن في أنه يستغل الثقة. نحن نصدق الصوت أكثر مما نصدق النص المكتوب. عندما نسمع صوت شخص نعرفه يطلب مساعدة، أو يعطي أمراً، أو يعترف بشيء ما، فإن ردّة فعلنا تكون فورية وعاطفية، لا تحليلية.
لهذا السبب، بدأت تظهر حالات احتيال وابتزاز تعتمد فقط على الصوت المزيف، دون أي فيديو. مكالمة قصيرة قد تكون كافية لخداع شخص واتخاذ قرار خاطئ خلال لحظات.
في هذا الواقع الجديد، لم يعد الصوت دليلاً قاطعاً على الهوية. مثل الصورة، أصبح بحاجة إلى تحقق إضافي، وإلى وعي بأن ما نسمعه قد لا يكون حقيقياً، مهما بدا مألوفاً.

هل يمكن استخدام الديب فيك للتلاعب بالرأي العام أو إشعال الفتن؟
يشير فريجي أن للديب فيك قدرة عالية على التلاعب بالرأي العام وهذا يُعد من أخطر استخداماته على الإطلاق. لأن الرأي العام يتأثر بسرعة بالصورة والصوت، خاصة عندما يكون الشخص الظاهر في الفيديو شخصية معروفة أو ذات تأثير سياسي أو اجتماعي. فيديو واحد مزيف يمكن أن ينتشر خلال دقائق ويخلق حالة من الغضب أو الخوف قبل أن تتاح فرصة التحقق منه.
الديب فيك قادر على وضع كلمات خطيرة على لسان شخص لم يقلها، أو إظهار مواقف لم تحدث أبداً. في سياق سياسي أو اجتماعي متوتر، هذا النوع من المحتوى قد يشعل خلافات، يؤجج الانقسامات، أو يدفع الناس إلى مواقف متطرفة بناءً على معلومة غير حقيقية.
المشكلة لا تتوقف عند نشر الفيديو فقط، بل في سرعة تأثيره. المشاعر تسبق العقل. الناس تشاهد، تتفاعل، تشارك، وتكوّن رأياً قبل التفكير في صحة المحتوى. حتى لو تم نفي الفيديو لاحقاً، يكون الضرر قد حدث، لأن الانطباع الأول غالباً ما يبقى.
الأخطر من ذلك هو استخدام الديب فيك كأداة تشكيك. بمجرد انتشار هذه التقنية، أصبح من السهل الطعن في أي فيديو حقيقي واتهامه بأنه مزيف. هذا يخلق بيئة ضبابية تختلط فيها الحقيقة بالكذب، ويصبح من الصعب على الناس التمييز بينهما.
لهذا السبب، يُعتبر الديب فيك سلاحاً إعلامياً خطيراً. ليس لأنه يزوّر الواقع فقط، بل لأنه يضعف ثقة المجتمع بكل ما يُعرض عليه، ويجعل الرأي العام أكثر قابلية للتلاعب والانقسام.

أساليب التحقق من صحة المحتوى الرقمي للأفراد غير المتخصصين
يوضح الهندس خالد أن التمييز بين الحقيقي والمزيف أصبح أصعب من أي وقت مضى، لكن ما زال ممكناً إذا تغيّرت طريقة تعاملنا مع المحتوى. أول خطوة أساسية هي التوقف قبل التصديق. في عصر الديب فيك، السرعة هي العدو الأكبر للحقيقة. أي فيديو صادم أو عاطفي يحتاج إلى لحظة شك، لا إلى مشاركة فورية.
من المهم الانتباه إلى السياق. هل الفيديو منطقي؟ هل يتماشى مع ما نعرفه عن الشخص أو الحدث؟ كثير من المقاطع المزيفة تعتمد على إخراج الكلام من سياقه أو وضعه في ظرف يبدو مقنعاً ظاهرياً، لكنه ينهار عند التفكير الهادئ.
مصدر الفيديو عامل حاسم. المحتوى الذي يأتي من حسابات مجهولة أو صفحات غير موثوقة يستحق الشك. البحث السريع عن نفس الخبر في وسائل إعلام موثوقة يمكن أن يكشف الحقيقة بسهولة. في أغلب الحالات، الأحداث الحقيقية لا تكون محصورة بمقطع واحد فقط.
كذلك، يجب الانتباه للتفاصيل الصغيرة، مثل حركة الشفاه غير المتناسقة أحياناً، تعابير وجه جامدة، أو صوت يبدو طبيعياً لكنه بلا مشاعر حقيقية. هذه العلامات ليست دائماً واضحة، لكنها قد تثير الشك.
الأهم من كل ذلك هو الوعي. لا أحد محصّن بالكامل من الخداع، لكن الشخص الواعي الذي يعرف بوجود الديب فيك، ويتعامل مع المحتوى بعقل نقدي، يكون أقل عرضة للتلاعب. في النهاية، الحل ليس أن نشك بكل شيء، بل أن نتعلّم كيف نسأل قبل أن نصدق.

ويبقى السؤال الأخطر.. هل سنصل إلى زمن تصبح فيه الثقة عملة نادرة؟
خالد فريجي: “نحن بالفعل نسير في هذا الاتجاه، لكن الأمر ليس قدراً محتوماً”. ويكمل أنه مع انتشار الديب فيك والتضليل الرقمي، بدأت الثقة تهتز، ليس فقط في الفيديو والصورة، بل في كل ما يصلنا عبر الشاشات. عندما يعتاد الناس على الشك، يصبح التصديق مخاطرة، ويصبح إنكار الحقيقة أسهل من قبولها.
المشكلة أن فقدان الثقة لا يحدث فجأة، بل يتسلل بهدوء. يبدأ بالتشكيك بمقطع، ثم بخبر، ثم بمصدر، إلى أن يصل إلى مرحلة يشك فيها الناس بكل شيء. في هذا المناخ، الحقيقة لا تختفي، لكنها تغرق وسط الضجيج، ويصعب على الصوت الصادق أن يُسمع.
إذا استمر هذا المسار دون وعي أو ضوابط، نعم، يمكن أن تصبح الثقة عملة نادرة. المجتمعات لا تُبنى فقط على المعلومات، بل على الإيمان المشترك بوجود حقيقة يمكن الاتفاق عليها. عندما تضيع هذه الأرضية، يزداد الانقسام، ويضعف الحوار، ويصبح التلاعب أسهل.
لكن في المقابل، هناك فرصة. كل أزمة ثقة تفرض إعادة تعريف لما نعنيه بالحقيقة والمصداقية. يمكن أن تتحول الثقة من شيء يُمنح تلقائياً، إلى قيمة تُبنى بالشفافية، والتحقق، والمسؤولية. الإعلام، التكنولوجيا، والأفراد جميعهم جزء من هذا التوازن الجديد.
المستقبل لن يكون خالياً من الحقيقة، لكنه سيكون أكثر تطلباً. الثقة لن تختفي، لكنها ستصبح أغلى، وتُمنح لمن يستحقها فقط.
وفي الختام نوضح أنه في عصر الديب فيك لم تعد الحقيقة تُؤخذ كما هي بل باتت تحتاج إلى وعي وتحقيق ومسؤولية في التعامل مع المحتوى الرقمي. فالتقنية، رغم قدرتها على التزييف والتلاعب، تمنحنا أيضاً أدوات للكشف والمساءلة. ويبقى الرهان الأكبر على وعي الأفراد والمؤسسات، لأن حماية الحقيقة اليوم لم تعد مهمة جهة واحدة، بل مسؤولية جماعية تحفظ الثقة والمعرفة من الوقوع في فخ التضليل.
لمشاهدة الفيديو الذي يوضح مفهوم الديب فيك اضغط هنا
https://youtu.be/JKC2-scNYvY?si=a5fwuN4qRyk9z25K
مقالات ذات صلة في كذاتك
أخلاقيات الصحافة: 5 مخاطر لاستخدام الذكاء الاصطناعي دون شفافية
وكلاء الذكاء الاصطناعي: المستقبل الذكي لإنجاز المهام


COMMENTS