هل جعلت التكنولوجيا حياة الأمهات أفضل؟

Homeفن وثقافة

هل جعلت التكنولوجيا حياة الأمهات أفضل؟

كتب هذا التقرير وأنا أستحضر كل مشاعر التشتت والقلق التي حملتها إليّ الأمهات اللواتي تحدّثت إليهن، فما كتب لا يروي تجاربهن فحسب في عصر التكنولوجيا، بل

بودكاست Cinétech| الحلقة 2: الذكاء الإصطناعي وتأثيره في مجال كتابة السيناريو
كتابة العربية بالحروف اللاتينية: ظاهرة انتشرت في لبنان منذ عام 2000
تطبيقات ميتا: بين الإبتكار والتعدي على الخصوصية

كتب هذا التقرير وأنا أستحضر كل مشاعر التشتت والقلق التي حملتها إليّ الأمهات اللواتي تحدّثت إليهن، فما كتب لا يروي تجاربهن فحسب في عصر التكنولوجيا، بل يجسّد واقع كل امرأة تخوض معركة التوازن بين العمل أو الدراسة من جهة، والأمومة التي لا تمنح وقتًا مستقطعًا من جهة أخرى.

ولأنني أعيش التجربة ذاتها، كأمٍّ عاملة تواصل مسيرتها الدراسية، فإن ما يلي ليس مجرد عرض لآراء نساء أخريات، بل انعكاس صادق لرحلة أعيشها يوميًا مع التكنولوجيا ومحاولة توظيفها لتخفيف وطأة الأدوار المتشابكة التي نحملها.

في زمنٍ يُنظَر فيه إلى التكنولوجيا كمنقذٍ شامل يحلّ المشكلات ويختصر الوقت ويزيد الإنتاجية، يبرز سؤال أكثر إنسانية وعمقًا:

هل جعلت التكنولوجيا حياة الأمهات أفضل، أم أنها حمّلتهنّ عبئًا جديدًا تحت مسمى “التطوّر”؟

في هذا التقرير، أعرض تجارب ثلاث أمهات – نرجس، فاطمة، وياسمين – إلى جانب شهادتي الشخصية.

الوقت: الثروة المفقودة التي تحاول التكنولوجيا ردّها للأمهات

تجربة نرجس: ما بين الحلول البسيطة وحرمان الوصول إلى التكنولوجيا الفعّالة

نرجس، ربة منزل وأم لطفلة في عامها الأول، تحاول تسخير الأجهزة الإلكترونية لتحقيق ولو جزء بسيط من راحتها، فرأت في استخدام جهاز الـ white noise  وسيلة مساعدة لخلق بيئة نوم أفضل لطفلتها. هذا الحل البسيط جعل ليلها أقل اضطرابًا، وسمح لها بإعادة ترتيب بعض المهام في الصباح.

لكن المفارقة المؤلمة أنّ الأجهزة القادرة على تغيير يوم الأم كليًا، مثل الروبوت المنظّف، أو الجلاية، أو نشافة الملابس، لا تزال خارج متناول الكثير من الأمهات بسبب أسعارها الباهظة. وهذا لا يعني فقط فقدان الراحة، بل خسارة وقتٍ ثمين كان يمكن استثماره في التفاعل مع الأطفال، أو حتى في الراحة النفسية التي تحتاجها كل أم.

ورغم امتلاك نرجس وعيًا بأهمية التكنولوجيا، فإنّ فجوة القدرة الشرائية تجعلها تعود مرارًا إلى أدوات تقليدية تستنزف يومها. هنا تظهر قضية جوهرية:

هل الوصول إلى التكنولوجيا العادلة متاحٌ للجميع؟ أم أنه امتياز طبقي يحدد جودة يوم الأم؟

تجربة فاطمة: حين يتحول الوقت إلى معادلة معقّدة لا تحلّها التكنولوجيا بسهولة

فاطمة، أم لطفل لم يتجاوز السنتين من عمره، موظفة في مؤسسة إعلامية وتكمل دراستها الجامعية، تعتبر أنّ الوقت بالنسبة إليها هو ثروة مفقودة. تؤمن فاطمة بأن التكنولوجيا قدّمت حلولًا مهمة – تنبيهات، تطبيقات تنظيم الوقت، أجهزة ذكية – لكنها، في العمق، تعتقد أن التكنولوجيا ليست دائمًا المنقذ. فإعداد الأجهزة الذكية، شحنها، تنظيفها، وصيانتها يشكّل عبئًا إضافيًا لم يكن موجودًا سابقًا.

تقول فاطمة:

“الوقت لا يُصنَع بالتكنولوجيا وحدها… الوقت يُنتَزع من فوضى الحياة.”

وترى أن التكنولوجيا وفّرت أدوات، لكنها لم تُلغِ الفوضى، ولم تخفف من ضغوط الحياة التي تجبرها على العمل والدراسة بالتوازي.

تجربة ياسمين: حين تلتقي التكنولوجيا بالاستعداد الذهني والقدرة المادية

على النقيض، استطاعت ياسمين استخدام التكنولوجيا بكفاءة واضحة. فقد وفّرت لها الأجهزة الذكية راحة عملية: تشغيل سخّان المياه عن بُعد، جدولة الغسالة، متابعة الأطفال عبر كاميرات المراقبة، وحتى الاستفادة من تطبيقات شراء البقالة لاختصار رحلة السوبرماركت.

لكن ميزة ياسمين الأساسية لا تكمن في الأدوات فحسب، بل في استراتيجيتها؛ فهي تدير يومها وفق قناعة بأن التكنولوجيا ليست للرفاهية، بل للاتزان. هذا الاستراتيجية جعلت استخدامها للتقنيات أكثر فاعلية وأقرب إلى الحقيقة التالية:

“التكنولوجيا لا تُستخدم لأنها موجودة… بل لأنها تخدم حاجة حقيقية.”

صورة تجمع نرجس وابنتها في مشهد يعكس لحظات الأمومة الأولى وما تحمله من حنان ومسؤولية

الطمأنينة الرقمية: بين المعرفة الموثوقة وفوضى المعلومات

نرجس: الثقة بالتطبيقات الصحية مقابل القلق من كثرتها

اعتمدت نرجس على تطبيقات الحمل أكثر مما اعتمدت على طبيبتها، لأنها تقدّم إجابات فورية، وتفسيرات مبسّطة، ومقاطع قصيرة توضح كل مرحلة من مراحل الحمل. لكن سرعة المعلومة جعلتها أحيانًا أسيرة التناقضات بين المصادر؛ فالبحث عن أعراض معيّنة كان يقودها إلى عشرات الإجابات غير المتجانسة، ما جعلها تشعر بأن المعرفة الرقمية قد تكون أحيانًا مصدرًا للارتباك.

فاطمة: المعرفة اللحظية تمنح الطمأنينة لكنها تفتح أبواب القلق

تشير فاطمة إلى أن التكنولوجيا سمحت لها بتعقّب نمو طفلها أسبوعًا بأسبوع عبر تطبيقات متابعة الحمل، ومعرفة الأعراض الطبيعية والخطرة في رحلة استكشاف عالم الطفولة مع ابنها، وتذكّر مواعيد الأدوية، وغيرها من المعلومات التي بات كثرتها عاملًا خانقًا.

فوسائل التواصل الاجتماعي تعج بمحتوى تربوي وصحي، لكن الكثير منه يحمل طابعًا مثاليًا لا يعكس الواقع. تقول فاطمة إنها وجدت نفسها مرارًا تقارن طفلها بغيره، أو أمومتها بأمومة أخريات يصوّرن حياتهن عبر عدسات تملؤها “الفلاتر”.

وهنا تظهر إشكالية جديدة: التكنولوجيا تزيد المعرفة، لكنها تزيد القلق أيضًا.

ياسمين: المعرفة المسؤولة

بفضل خلفيتها المهنية، استطاعت ياسمين التعامل مع هذا الكم من المعلومات بعين ناقدة،
لكنها تؤكد أن هذه القدرة ليست شائعة بين الأمهات، ما يجعل التكنولوجيا – إذا لم تُستخدم بوعي – مصدرًا لمخاطر صحية وفكرية.

وتطرح سؤالًا دقيقًا: كيف نحمي الأمهات من موجة المعلومات المغلوطة؟ وما هو دور المؤسسات الصحية في تنظيم هذا الفضاء؟

هل جعلت التكنولوجيا حياة الأمهات أفضل؟
صورة تجمع فاطمة وابنها في حضنٍ دافئ بعيدًا عن صخب الحياة

التكنولوجيا والعزلة الاجتماعية: بين الوصل والانفصال

نرجس: مجتمع رقمي يخفّف شعور الوحدة

تقول نرجس إن التكنولوجيا سمحت لها بالوصول إلى مجموعات دعم ومجتمعات أمهات تشبه ظروفها، مما خفّف كثيرًا من شعورها بالوحدة، خاصة في فترات ما بعد الولادة التي تُعدّ نفسيًا أكثر المراحل حساسية.

فاطمة: تواصل بلا دفء

على الجانب الآخر، تشعر فاطمة بأن هذا النوع من التواصل – رغم ضرورته – يفتقد دفء اللقاءات الحقيقية؛
فالمقارنات التي تفرضها مشاهدة حياة الآخرين تُعمّق العزلة أكثر مما تُخففها في بعض الأحيان.

ياسمين: الدعم الرقمي حين يُستخدم بذكاء

أما ياسمين، فتعتبر أنّ التكنولوجيا قدّمت لها شبكة دعم حقيقية، لأنها تعرف كيف تنتقي مصادرها وتتفاعل معها. وتشير إلى أن المحتوى الرقمي حين يكون علميًا وموثوقًا، يمتلك قدرة هائلة على التخفيف من عزلات الأمهات العاملات.

التكنولوجيا والتوازن بين العمل والأمومة

نرجس: الحضور الجسدي لا بديل له

ترى نرجس أن التكنولوجيا مهما تطورت لا يمكن أن تعوّض دور الأم؛ فاللعب، الاحتضان، المتابعة اليومية، وفهم التفاصيل الصغيرة لا تستطيع أي شاشة نقلها.

فاطمة: العمل عن بُعد كمساحة للبقاء واقفة

تعتبر فاطمة أن التكنولوجيا مكّنتها من العمل من المنزل دون التخلي عن دراستها أو الابتعاد عن ابنها. هذه المرونة الرقمية شكّلت بالنسبة لها جسرًا حافظ على توازنها النفسي.

ياسمين: جسر التواصل المفتوح

بالنسبة لياسمين، تشكّل التكنولوجيا وسيلة للحفاظ على التواصل مع أطفالها في ساعات عملها. كاميرا صغيرة، مكالمة فيديو سريعة، أو رسالة صوتية، كلها أدوات تجعل المسافة أقل وطأة في خضم ساعات العمل الشاقة.

صورة تجمع ياسمين وطفليها التوأم في مشهد يجسّد التوازن بين رعاية الأطفال ومتطلبات الحياة

بين الوعد الرقمي ورحلة الأمومة اليومية

تكشف كل شهادة من شهادات الأمهات جزءًا من معادلة أكبر:

التكنولوجيا تمنح، لكنها تأخذ.

تسهّل، لكنها تعقّد.

تزيد المعرفة، لكنها تخلق ضوضاء.

تخفف العزلة، لكنها تفتح باب المقارنات.

في نهاية هذا التقرير، أقول للأمهات أنّني أكتب لكنّ ومنكنّ. من قلب التجربة، أركض خلف الوقت مثلكنّ، أحاول أن أكون أمًا متوازنة، امرأة فاعلة، وطالبة لا تستسلم، والأهم أنّني أنجح أحيانًا، وأفشل أحيانًا أخرى.

للتكنولوجيا القدرة على أن تكون شريكًا، لكنّها ليست كذلك تلقائيًا، إنما تتحول إلى شريك حين نُحسن استخدامها، ونضغط على صانعيها لتطويرها بما يخدمنا حقًا، لا بما يستهلكنا.

ولذلك، نتطلّع نحن الأمهات إلى عصر تصبح فيه التكنولوجيا مهيّأة لخدمة احتياجاتنا أكثر، لا لزيادة العبء؛ عصر تكون فيه التقنية داعمة للذات الإنسانية، لا منافسة لها.

مقال ذو صلة:

COMMENTS

WORDPRESS: 0
DISQUS: