نظام «لافندر»: كيف وضع الذكاء الإصطناعي 37 ألف فلسطيني على لائحة استهداف “إسرائيل”؟

Homeحروب

نظام «لافندر»: كيف وضع الذكاء الإصطناعي 37 ألف فلسطيني على لائحة استهداف “إسرائيل”؟

"الآلة قامت بالأمر ببرود، وهذا جعل الأمر أسهل". بهذا التعبير اللاإنساني، وصف أحد ضباط الاستخبارات الاسرائيلية تجربته في استخدام نظام "لافندر" منذ بدء

قلب “النقب”: مركز قيادة “إسرائيل” في حرب الظل الرقمية
“الذكاء الإصطناعي”.. السلاح الأخطر في آلة الحرب الإسرائيلية
الوحدة “8200”.. العقل السيبراني لـ”إسرائيل”

“الآلة قامت بالأمر ببرود، وهذا جعل الأمر أسهل”. بهذا التعبير اللاإنساني، وصف أحد ضباط الاستخبارات الاسرائيلية تجربته في استخدام نظام “لافندر” منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023. تصريح يلخّص التحوّل العميق الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي في أساليب إبادة الفلسطينيين، ويكشف التغيير الجذري في العلاقة بين صنّاع القرار العسكري والآلة.

ما هو نظام “لافندر”؟

نظام “لافندر” هو نظام ذكاء اصطناعي يستخدم تقنيات التعلم الآلي لمنح سكّان قطاع غزة درجة رقمية تعبّر عن احتمالية انتمائهم لمجموعات مسلحة وتحديدًا الانتماء إلى حركتي حماس والجهاد الإسلامي. يتم تحديد العتبة التي يصبح عندها الفرد “منخفض الرتبة”، بحسب تعبير مستخدمي النظام، مستهدفًا عسكريًا من قبل الضباط الإسرائيليين، ما يجعل الأهداف المحتملة قابلة للتغيير باستمرار وفقًا للتعريف الذي يُعتمد لمفهوم “عنصر من حماس” على سبيل المثال.

يعتمد نظام “لافندر” على أسلوب التعلم الآلي شبه المُشرف، أو ما يعرف بـ”التعلم الإيجابي غير المسمى”، حيث تدرّب الخوارزميات على بيانات مصنفة وأخرى غير مصنفة. تستنتج الخوارزميات لاحقًا الأنماط الموجودة لدى العناصر المنتمين إلى الجماعة المسلحة، وتطبّق تلك الأنماط على السكان لتحديد مشتبهين آخرين.

هذا المسار يزيد من حجم التخمينات غير المثبتة، خاصة مع استحالة التحقق من الكثير من البيانات عند تطبيقها على ملايين الأشخاص، ما يعرّض عشرات المدنيين لأخطار جسيمة أثناء تنفيذ الاستهدافات، خاصة وأنّ الهجمات تنفّذ عادةً باستخدام ذخائر غير موجهة تعرف باسم “القنابل الغبية”، مما يؤدي إلى تدمير المكان المستهدف، منازل مأهولة في معظم الأحيان، بشكل كامل وقتل كل من فيها.

وباعتباره قاعدة بيانات عامة ذكية، يمكن استخدام نظام “لافندر” لأغراض متعددة. بالإضافة إلى الاستهداف، يستعين “الجيش الاسرائيلي” بالنظام لتحديد من يريد اعتقاله أو استجوابه. كما يمكن أن يكون سبيلًا لتحديد كثافة وجود عناصر تابعة لمجموعة مسلحة في مساحة جغرافية محددة وبالتالي توفير معلومات إضافية لصنّاع القرار عند التخطيط لأي عملية عسكرية أو أمنية مستقبلية.

صورة فنية رقمية بأسلوب قاتم وبألوان بنفسجية وزرقاء طاغية، تُظهر رجلًا بملامح عسكرية يمثّل ضابطًا في الاستخبارات الإسرائيلية يعمل على حاسوب محمول، وخلفه شيفرات برمجية، في مشهد يرمز إلى دور الذكاء الاصطناعي والخوارزميات في اتخاذ قرارات الاستهداف العسكري في قطاع غزة.
صورة مولّدة عبر برنامج الذكاء الاصطناعي Chat GPT ثمثّل ضابط في الاستخبارات الإسرائيلية خلال عمله على نظام “لافندر”

صدمة 7 أكتوبر واندفاع نحو الاستهداف الواسع

أدت صدمة 7 أكتوبر إلى دخول “إسرائيل” في حالة من الهيستيريا أدت إلى زيادة الضغط على ضباط الاستخبارات الذين يعملون في قمرة العمليات العسكرية بحيث كانت الحاجة إلى سحق حماس مهما كان الثمن إلى ضرب أي هدف يمكن ضربه. ولتحقيق هذا الهدف، اعتمد “الجيش الإسرائيلي” على نظام “لافندر” بشكل كبير لإنشاء قاعدة بيانات للأفراد الذين تتناسب سماتهم مع صفات عناصر حماس والجهاد الإسلامي.

في هذا السياق، قامت الوحدة 8200 خلال الأسابيع الأولى للحرب بتحسين خوارزمية نظام “لافندر” وتعديل معايير البحث، مما سمح للنظام بالوصول إلى دقة خيالية بلغت 90%، الأمر الذي دفع جيش الاحتلال للموافقة على استخدامه كأداة توصية مركزية. لكن الدقة الحسابية للخوارزمية لم تعطي “إسرائيل” غطاءً أخلاقيًا أو قانونيًا، بل سمحت له بارتكاب مئات المجازر بين المدنيين العزل في منازلهم.

صورة مولّدة عبر برنامج الذكاء الاصطناعي Chat GPT تظهر حجم المجارز التي ترتكبها "إسرائيل" بحق الفلسطينيين في قطاع غزة باستخدام نظام لافندر.
صورة مولّدة عبر برنامج الذكاء الاصطناعي Chat GPT تظهر حجم المجارز التي ترتكبها “إسرائيل” بحق الفلسطينيين في قطاع غزة باستخدام نظام “لافندر”

دور بشري محدود

وبعد التساؤلات التي طرحت حول القيمة الحقيقية للدور البشري في عملية إختيار أهداف العناصر منخفضي الرتبة، قال مستخدم لنظام “لافندر”أنّ دوره الفعلي أصبح يقتصر على ختم الموافقة، مخصصًا 20 ثانية فقط لكل هدف ما سمح له بمعالجة عشرات الأهداف يوميًا.

“دوري الفعلي بعد “لافندر” أصبح يقتصر على ختم الموافقة”

أظهرت هذه الشهادة زيف الادعاءات الإسرائيلية التي حاول “الجيش الاسرائيلي” الترويج لها في بيان أصدره ردًا على تقارير ومقالات نشرت تأكد استخدام قاعدة البيانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي “لافندر” في قصف قطاع غزة. جاء في بيان “النفي”  أنّ نظم المعلومات ليست سوى أدوات مساعدة للمحللين في عملية تحديد الأهداف، الذين يتوجّب عليهم إجراء فحوصات مستقلة، يتحققون فيها من أنّ الأهداف المحددة تستوفي التعريفات ذات الصلة وفقًا للقانون الدولي والقيود الإضافية الواردة في تعليمات جيش الاحتلال – بحسب زعمهم؛ في المحصلة، لم يعد الإنسان سوى حلقة شكلية في عملية صنع القرار، في حين أصبحت عملية اختيار الأشخاص المستهدفين شبه مؤتمتة بالكامل.

صورة فنية رقمية بأسلوب قاتم وبألوان بنفسجية وزرقاء طاغية، تُظهر مبنى سكنيًا مدمّرًا محاطًا بعلامات تصويب رقمية باللون الأحمر، في مشهد يرمز إلى استخدام أنظمة الاستهداف التكنولوجية الاسرائيلية وخصوصًا نظام لافندر في الاعتداء على الفلسطينيين .بالقصف والتدمير
صورة مولّدة عبر برنامج الذكاء الاصطناعي Chat GPT تمثّل حصول الاستهدافات في قطاع غزة باستخدام نظام “لافندر”

37 ألف مستهدف خلال ستة أشهر

خلال الأشهر الستة الأولى للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة إبان عملية 7 أكتوبر، صنّف نظام “لافندر” ما يصل إلى 37 ألف رجل فلسطيني باعتبارهم عناصر مرتبطة بحركة حماس أو الجهاد الإسلامي، وفق تقرير نشر على موقع مجلة +972 الإسرائيلية. هذا الرقم الصادم، يوضح حجم التأثير الذي يمارسه النظام على مجريات الحرب ومستوى الخطر الذي يشكله على المدنيين.

من نظام مراقبة إلى أداة قتل

دخل نظام “لافندر” الخدمة لأول مرة في غزة عام 2021، حيث كان يقتصر دوره على جمع بيانات المراقبة لتقييم الأشخاص بناءً على احتمالية انتمائهم لجماعة مسلحة. لكن الحرب الحالية مثّلت أول اختبار واسع النطاق لأنظمة ذكاء اصطناعي تستخدم عمليًا في تحديد الأهداف البشرية، وليس فقط التحليل الاستخباري.

إنّ إدخال “الجيش الإسرائيلي” لأنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة في حربه على الشعب الفلسطيني في مساحة جغرافية محدودة نسبيًا، أنتج شكلًا جديدًا وغير مسبوق للحروب الحديثة، وأثار مجموعة من التساؤلات القانونية والأخلاقية، مُغيّرًا العلاقة بين القيادة العسكرية والآلة.

صورة فنية رقمية بأسلوب قاتم وبألوان بنفسجية وزرقاء طاغية، تُظهر أبراج سكنية محاطة بأعمدة كثيفة من الدخان والانفجارات، في صورة ترمز إلى القصف الجوي والدمار الواسع في قطاع غزة خلال العدوان الإسرائيلي باستخدام نظام لافندر.
صورة مولّدة عبر برنامج الذكاء الاصطناعي Chat GPT “تمثّل حجم الدمار الذي يخلّفه استخدام “إسرائيل” لنظام “لافندر

وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار في غزة، يبقى السؤال الأساسي: هل نعيش اللحظة التي تنتقل فيها الحرب من ساحة البشر إلى ساحة الخوارزميات؟ وهل يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أداة قتل تحدد من يستحق الحياة ومن يدرج في قائمة الأهداف ليقتل ببرودة؟

مقال ذا صلة: قلب “النقب”: مركز قيادة “إسرائيل” في حرب الظل الرقمية

COMMENTS

WORDPRESS: 0
DISQUS: 0