Homeفن وثقافة

من الخيال العلمي إلى شريك يومي في الحياة: كيف تطوّر الذكاء الاصطناعي عبر العقود؟

لم يعد الذكاء الاصطناعي مفهوماً مستقبلياً يقتصر على الخيال العلمي أو مختبرات الأبحاث، بل أصبح اليوم جزءاً لا يتجزّأ من تفاصيل حياتنا اليومية. هذا الت

تطبيقات ميتا: بين الإبتكار والتعدي على الخصوصية
بودكاست Cinétech| الحلقة 1: الذكاء الإصطناعي وتأثيره في مجال التصميم السينمائي
المتاحف في عصر الذكاء الاصطناعي: جسور بين الماضي والمستقبل

لم يعد الذكاء الاصطناعي مفهوماً مستقبلياً يقتصر على الخيال العلمي أو مختبرات الأبحاث، بل أصبح اليوم جزءاً لا يتجزّأ من تفاصيل حياتنا اليومية. هذا التحوّل لم يحدث بين ليلة وضحاها، بل هو نتيجة مسار طويل من التطوّر العلمي والتكنولوجي الذي مرّ بعدة مراحل مفصلية، هي:

أولًا: بداية الظهور الحقيقي لمصطلح الذكاء الاصطناعي

تُعد هذه المرحلة هي بداية الظهور الحقيقي لمصطلح الذكاء الاصطناعي، إذ تناولت مسرحيات وأفلام خيال علمي عن الروبوت، وهو الشخص الاصطناعي الذي يقوم بأفعال البشر في العالم الحقيقي. إذ عرض المهندس الإسباني Leonardo Torres y Quevedo أول آلة للعب الشطرنج El Ajedrecista في المعرض العالمي في باريس عام 1914. استخدمت الآلة مغناطيسات كهربائية وكانت آلية بالكامل. كما لعبت El Ajedrecista آليًا نهاية لعبة شطرنج بسيطة، حيث كان الملك والقلعة ضد الملك، ولم تتطلب الآلة أي تدخل بشري. وبمجرد إعدادها كانت الآلة تؤدي حركات شطرنج قانونية بشكل مستقل، وإذا أدّى الخصم البشري حركة غير قانونية، كانت الآلة تشير إلى الخطأ. وإذا وُضعت الآلة في وضع الفوز، كانت قادرة على هزيمة الخصم البشري بكل سهولة.

وخلال عام 1921 افتتحت مسرحية بعنوان “روبوتات روسّوم العالمية” (rossum’s universal robots /R.U.R) في لندن، والتي استُخدِم فيها كلمة “روبوت” باللغة الإنجليزية للمرة الأولى مِنْ قِبَل كاريل تشابيك. كما اكتسب هذا المصطلح اعترافًا دوليًا سريعًا بعد نجاح المسرحية وأصبح المصطلح القياسي للكائنات الميكانيكية أو الاصطناعية، رغم أنّ روبوتات تشابيك هي روبوتات عضوية، تشبه البشر ومصمّمة لأداء أعمال بسيطة لا تتطلّب مهارة.

وفي اليابان، ظهر أول روبوت تم بناءه على يد عالم الأحياء الياباني والأستاذ ماكوتو نيشيمورا، وذلك في عام 1929، وكان هذا الروبوت يستطيع تحريك رأسه ويديه، مع تغيير تعابير وجهه.

كما ابتكر John Vincent Atanasoff، أستاذ الفيزياء والرياضيات في كلية ولاية أيوا، وتلميذه في الدراسات العليا Clifford Berry كمبيوتر Atanasoff-Berry Computer (ABC) بمنحة قدرها 650 دولارًا أمريكيًا في جامعة ولاية أيوا ويصل وزنه إلى 700 رطل، ويُعد كمبيوتر ABC أحد أوائل أجهزة الكمبيوتر الإلكترونية الرقمية وعلامة فارقة في مجال علوم الكمبيوتر الأمريكية سنة 1939.

وعلى الرغم من أن كمبيوتر ABC لم يُشغّل بالكامل أو يُستخدم على نطاق واسع، إلّا أنّه قدّم العديد من المفاهيم الأساسية التي تساعد في تطوير الحوسبة الحديثة، وعلى خلاف أجهزة الحوسبة السابقة التي اعتمدت على الأنظمة العشرية، استَخدَم ABC النظام الثنائي (الأصفار والآحاد) لتمثيل البيانات الذي أصبح معيارًا لأجهزة الكمبيوتر حتى اليوم.

كما يُعدّ ABC من أوائل أجهزة الكمبيوتر التي استخدمت الدوائر الإلكترونية في الحوسبة بدلًا من الأنظمة الميكانيكية أو الكهروميكانيكية، ما سمح بإجراء حسابات أسرع وأكثر موثوقية، وفصل تخزين البيانات (الذاكرة) عن وحدة المعالجة (العمليات المنطقية)، وهو مبدأ لا يزال متبعًا في بنية أجهزة الكمبيوتر الحديثة، واستخدم المكثفات لتخزين البيانات ويمكنه التعامل مع ما يصل إلى 30 معادلة متزامنة. إضافةً إلى استخدامه حوالي 300 أنبوب مفرغ من الهواء في عملياته المنطقية، ما جعله أسرع بكثير من الآلات الحاسبة الميكانيكية السابقة ومكّنه من حلّ حوالي 29 معادلة خطية متزامنة.

بالموازاة، نُشرت ورقة عالم الرياضيات البريطاني آلان تورينج البارزة “آلات الحوسبة والذكاء” في مجلة Mind.2 عام 1950 والتي تُعدّ نصًا أساسيًا في مجال الذكاء الاصطناعي طارحًا السؤال: “هل يمكن للآلات أن تفكر؟”، ثمّ أعاد صياغته بشكل عملي أكثر، “هل يمكن للآلة أن تُظهر سلوكًا ذكيًا لا يمكن تمييزه عن سلوك الإنسان؟”. وقد أصبح نهج Turing أساسًا للمناقشات المستقبلية حول طبيعة الآلات المفكرة وكيف يمكن قياس ذكائها وتقييم قدرتها على محاكاة المحادثة والسلوك البشري بشكل مقنع من خلال “لعبة التقليد”، المعروفة الآن باسم اختبار Turing.

الذكاء الاصطناعي بعد عام 1950

الذكاء الاصطناعي بعد عام 1950
فبعد عام 1950، ظهر الكثير من أبحاث الذكاء الاصطناعي التي أعدها العديد من علماء الكمبيوتر وغيرهم بثمارها، وكانت نتيجتها العديد من التطورات في هذا المجال.

1951
بنى Marvin Minsky وDean Edmunds أول شبكة عصبية اصطناعية. تعد حاسبة التعزيز التناظرية العصبية العشوائية (SNARC) محاولة مبكرة لوضع نموذج لعمليات التعلّم في الدماغ البشري، وتحديدًا من خلال التعلّم المعزّز.

صُممت حاسبة التعزيز التناظرية العصبية العشوائية لمحاكاة سلوك فأر يتنقل في متاهة. وتتمثل الفكرة في جعل الآلة تحاكي الطريقة التي تتعلّم بها الحيوانات من خلال المكافآت والعقاب – أي تعديل سلوكها بمرور الوقت بناءً على التغذية الراجعة. وهو عبارة عن كمبيوتر تناظري يستخدم شبكة من 3000 أنبوب مفرّغ إلى جانب أوزان متشابكة لمحاكاة 40 وحدة تشبه الخلايا العصبية.

1952
طوّر Allen Newell، عالم رياضيات وعالم كمبيوتر، وHerbert A. Simon، عالم سياسي، برامج مؤثرة مثل برنامج التنظير المنطقي وبرنامج حل المشكلات العام، وهما من أوائل من حاكى قدرات الإنسان على حل المشكلات باستخدام الأساليب الحسابية.
كما تمّ تطوير برنامج كمبيوتر يلعب لعبة الداما بشكل مستقل، وكان ذلك على يد عالم الكمبيوتر آرثر صموئيل.

1955
وفي عام 1955، ظهر أول برنامج كمبيوتر للذكاء الاصطناعي وهو برنامج Logic Theorist، وكان ذلك على يد الباحث ألين نيويل والاقتصادي هربرت سيمون، والمبرمج كليف شو.

وفي العام نفسه، طُرِحَ مصطلح “الذكاء الاصطناعي” لأول مرة في اقتراح ورشة عمل بعنوان “اقتراح لمشروع دارتموث الصيفي للبحوث حول الذكاء الاصطناعي”، قدمه John McCarthy من كلية دارتموث، وMarvin Minsky من جامعة هارفارد، وNathaniel Rochester من شركة IBM، وClaude Shannon من Bell Telephone Laboratories.

1956
وتُعد ورشة العمل، التي عُقدت بعد ذلك بعام، في شهرَيْ تموز وآب من عام 1956، تاريخ ولادة مجال الذكاء الاصطناعي المزدهر بشكلٍ رسميٍّ.

1957
طوّر Frank Rosenblatt، عالم النفس وعالم الكمبيوتر، البيرسبترون (perceptron)، وهو شبكة عصبية اصطناعية مبكرة تتيح التعرّف على الأنماط استنادًا إلى شبكة تعلّم حاسوبية من طبقتين. يقدم البيرسبترون مفهوم المصنف الثنائي الذي يمكنه التعلم من البيانات عن طريق تعديل أوزان مدخلاته من خلال خوارزميات التعلم. وعلى الرغم من اقتصاره على حل المشكلات الخطية القابلة للفصل، فإنه أرسى الأساس للشبكات العصبية المستقبلية وتطورات التعلم الآلي.

1958
طور John McCarthy لغة البرمجة Lisp4 التي تعني معالجة القوائم. طُورت لغة Lisp من عمل McCarthy على صياغة الخوارزميات والمنطق الرياضي، متأثرًا بشكل خاص برغبته في إنشاء لغة برمجة يمكنها التعامل مع المعلومات الرمزية. وسرعان ما أصبحت Lisp لغة البرمجة الأكثر شعبية المستخدمة في أبحاث الذكاء الاصطناعي.

1959
كان Arthur Samuel رائدًا في مفهوم التعلم الآلي من خلال تطوير برنامج كمبيوتر يحسن أداءه في لعبة الداما مع مرور الوقت. يوضح Samuel أنه يمكن برمجة الكمبيوتر ليتبع قواعد محددة مسبقًا و”يتعلم” من التجربة، وفي النهاية يلعب أفضل من المبرمج. ويمثل عمله خطوة كبيرة نحو تعليم الآلات أن تتحسن من خلال التجربة، وصاغ مصطلح “التعلم الآلي” في هذه العملية.

نشر Oliver Selfridge ورقته البحثية “بانديمونيوم: نموذج للتعلم” واقترح نموذج بانديمونيوم نظامًا تعمل فيه “شياطين” (وحدات معالجة) مختلفة معًا للتعرف على الأنماط. تتنافس الشياطين للتعرف على الميزات في البيانات التي لم تُبرمج مسبقًا، في محاكاة للتعلم غير الخاضع للإشراف. يعد نموذج Selfridge إسهامًا مبكرًا في التعرف على الأنماط، حيث أثر في التطورات المستقبلية في مجال رؤية الآلة والذكاء الاصطناعي.

يقدم John McCarthy مفهوم آخذ النصيحة في ورقته البحثية “برامج ذات حس سليم”. يهدف هذا البرنامج إلى حل المشكلات من خلال معالجة الجمل في المنطق الرسمي، ما يضع الأساس للتفكير الاستدلالي في الذكاء الاصطناعي. يتصور McCarthy نظامًا يمكنه فهم التعليمات والاستدلال بالمعرفة المنطقية والتعلم من التجربة، بهدف طويل الأمد يتمثل في تطوير ذكاء اصطناعي يمكنه التكيف والتعلم بفعالية البشر نفسها. ويساعد هذا المفهوم على تشكيل الأبحاث المبكرة في تمثيل المعرفة والاستدلال الآلي.
https://share.google/uxGAJygTZHI5wBAfD

وفي عام 1956 صاغ جون مكارثي مصطلح “الذكاء الاصطناعي” في أول مؤتمر للذكاء الاصطناعي على الإطلاق في كلية دارتموث. وفي العام نفسه أنشأ ألين نيويل وجي سي شو وهيربرت سيمون برنامج “لوجيك ثيوريست”، وهو أول برنامج ذكاء اصطناعي.
https://share.google/bF1Hln7lgxRZJhAVZ

مقال ذو صلة: تطبيقات ميتا بين الإبتكار والتعدّي على الخصوصية

COMMENTS

WORDPRESS: 0
DISQUS: