شهدت المتاحف الفنية في عصر الذكاء الاصطناعي تحوّلًا لافتًا في طبيعة ما تعرضه، إذ لم تعد تكتفي باحتضان اللوحات التي تختزن الذاكرة والتجربة الإبداعية ا
شهدت المتاحف الفنية في عصر الذكاء الاصطناعي تحوّلًا لافتًا في طبيعة ما تعرضه، إذ لم تعد تكتفي باحتضان اللوحات التي تختزن الذاكرة والتجربة الإبداعية الإنسانية، إنّما باتت تفتح مساحاتها أمام لوحات رقمية مولَّدة بالذكاء الاصطناعي، وتقدّمها بوصفها فنًّا مكتملًا قائمًا بذاته.
فهل تحوّل دور المتاحف من حاضنٍ للذاكرة الإنسانية إلى مُنتج للذوق الفني المعاصر؟
اختلفت التعريفات التي وضُعت للـمتاحف باختلاف العصور، إذ انتقلت من كونها ” معبدًا توقّف فيه الزمن”، و”ذاكرة البشرية”، و”دارًا لحفظ التحف النادرة وروائع المنحوتات واللوحات الفنية وكل ما يتصل بالتراث الحضاري”، وصولًا إلى أحدث تعريف للمتاحف وفق المجلس الدولي للمتاحف، إيكوم، عام 2022، وهو “مؤسسة دائمة غير هادفة للربح تعمل في خدمة المجتمع وتقوم بجمع وحفظ وبحث وتفسير وعرض التراث المادي وغير المادي”. ويُذكر أنّ هذا التعريف استُحدث تماشيًا مع تحوّلات التطوّر التكنولوجي، ومبادئ الشمولية والتنوع والاستدامة.
المتاحف الفنية في مجتمعات سريعة التغيير
انطلاقًا من مبادئ الايكو بكون المتاحف أماكن مخصّصة ليس فقط لحفظ الماضي إنّما جسور نحو المستقبل، عُرضت أوّل لوحة مرسومة بآليات الذكاء الاصطناعي في متاحف عالمية كمتحف تات (TATE) في لندن في سبعينات القرن الماضي، بتوقيع من الفنان البريطاني هارولد كوهين، الذي صمّم برنامج “آرون” الحاسوبي، وطوّر الخوارزميات التي تسمح للحاسوب باختيار فرش وأصباغ بنفسه لتوليد خطوط انسيابية كالرسم اليدوي.
هذا الاختراع شكّل ثورة في عالم الفنّ آنذاك، ما دفع المتاحف إلى الاحتفاظ به لمجاراة العصر ومواكبةً تطلعات الأجيال المقبلة. وانسجامًا مع نهج التجدّد، باتت المتاحف تركّز على مستقبل الفنّ باختراعاته وأساليبه ووسائله المستحدثة، كعرض أوّل لوحة من صنع الذكاء الاصطناعي بالكامل في متحف في نيويورك، وهي لوحة “إدموند دي بيلامي” التي بيعت بمبلغ 432 ألف دولار عام 2018. وأُنتجت هذه اللوحة باستخدام خوارزمية تستند إلى سلسلة بيانات مستمدة من 15 ألف لوحة فنية مرسومة بين القرنين الرابع عشر والعشرين، مشكّلةً انقسامات حادّة في الآراء.

مع تصاعد نفوذ الذكاء الاصطناعي وتكاثر إنتاجاته الفنية، لم تَعُد المتاحف تكتفي بعرض هذه الأعمال فقط، فقد شهد عام 2022 افتتاح أول معرض في سان فرانسيسكو مخصّص للوحات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي، وتحديدًا بنظام DALL·E ، حيث عُرضت اللوحات بأسعار بلغت 5000 دولار.
أمّا التحوّل الأبرز في دور المتاحف الفنية كمنتجة للذوق الفني المعاصر فكان عام 2024 مع عرض المتاحف للوحة مولّدة من قبل الروبوت “عايدة” الفائق الواقعية في نيويورك، وبيعها بمبلغ 1.08 مليون دولار، واللوحة تمثل بورتريه لآلان تورينغ، أحد آباء الحوسبة والذكاء الاصطناعي.

الآراء الفنية بين التحوّل والانقسام
هذا التبدّل في دور المتاحف وهويتها بين السابق والحاضر، أثار جدلًا بين أوساط الفنانين، فبعضهم تقبّل الموضوع واعتبره امتدادًا طبيعيًا للتطور التكنولوجي، فيما رفض آخرون الأمر واعتبروا إقحام اللوحات الرقمية في المتاحف تشويهًا للفنّ.
وفي هذا السياق، وضّحت الرسامة التشكيلية اللبنانية “جوي جْدَيّ” لموقع كذاتك، أنّ تحوّل دور المتاحف في ظلّ الذكاء الاصطناعي لا يشكّل خطرًا فعليًا على مستقبل الفنّ، لأن اللوحات الرقمية مثالية حدّ الزيف والتوقُّع، فيما الرسم الإنساني زاخر بالهفوات والأحاسيس. مضيفةً إن ما يُخيفها فعلًا هو تصديق الأجيال القادمة لكون هذه اللوحات الرقمية فنًّا أصيلًا، بينما هي بالواقع مجرّد استنساخ للوحات سابقة تمّ جمع معلوماتها وتوليدها بواسطة برامج إلكترونية، مع غياب كلّي للتجريب والصراعات الإنسانية. وختمت “جْدَيّ كلامها بأن المتاحف يجب أن تبقى حاضنة للأصالة وليس للاستنساخ، ومحافظة على عنصر الابهار البشري، كلوحة الموناليزا التي على الرغم من توفّر تقنيات فنية جديدة ما تزال تخطف أنظار العالم.
وفي المقلب الآخر، اعتبرت الفنانة التشكيلية “ميرنا حرصي” أن المتاحف يجدر بها تغيير مفاهيم التبادل الثقافي والفني والإبداعي لمواكبة العصر وتدوين التاريخ. من هنا، ترى حرصي المتاحف جسورًا نحو المستقبل، واللوحات الرقمية المعروضة ستنال قيمتها الفعلية ليس في عصرها الآني، إنما لاحقًا حين تصبح مرجعًا لما سيأتي بعدها، وسيُنظر إليها على كونها تجسيدًا للأصالة، وإن صُنعت بواسطة الذكاء الاصطناعي. وقد دافعت حرصي عن رأيها بقول إنّ اللوحات التي صُنعت في عصر التنوير لم تكن كلّها من تحت يد رسّام واحد، فمايكل أنجلو مثلًا كان يُشرف على تلامذته في معهده للرسم ويعطيهم تعليماته من ثمّ يوقّع اسمه على اللوحات التي وجدت طريقها إلى المتاحف، الأمر الشبيه بما يحصل اليوم مع لوحات الذكاء الاصطناعي، على حدّ قول حرصي.
في المحصّلة، تبرز المتاحف الفنية اليوم كمؤسسات مزدوجة الدور، فهي تحافظ على الذاكرة الإنسانية والإبداع البشري، وفي الوقت نفسه تتيح مساحة للتجريب الرقمي والآلي، لتصبح بذلك جسورًا بين الماضي والمستقبل، ومساحات للتأمل في جوهر الفن، والعلاقة بين الإنسان والآلة، والأصالة والتقنية. فالمعارض تسأل بقدر ما تعرض، وتربك المتلقي بقدر ما تُدهشه.
مقال ذو صلة


COMMENTS