العنف الرقمي: كيف تحول الذكاء الاصطناعي إلى سلاح جديد ضد النساء

HomeUncategorized

العنف الرقمي: كيف تحول الذكاء الاصطناعي إلى سلاح جديد ضد النساء

خلف بريق التكنولوجيا الحديثة يختبئ انحيازٌ قديم ويظهر عنف بأدوات جديدة. كيف تحول الذكاء الاصطناعي إلى مرآة تعكس أسوأ ما في مجتمعاتنا من تمييز وعنف ض

من قلب بيروت… لبنان يخطو بثبات نحو النقل المستدام
هكذا تعمل الجيوش الإلكترونية: من الشارع الافتراضي إلى القرار الرسمي
“كبسة واحدة” قد تحوّل البيانات الرقمية إلى فريسة بيد القراصنة

خلف بريق التكنولوجيا الحديثة يختبئ انحيازٌ قديم ويظهر عنف بأدوات جديدة. كيف تحول الذكاء الاصطناعي إلى مرآة تعكس أسوأ ما في مجتمعاتنا من تمييز وعنف ضد المرأة؟

في عام 2024 وعند عودتهن إلى المدرسة بعد العطلة الصيفية ،استيقظت أكثر من ٢٠ فتاة قاصرة في بلدة «ألمندراليخو» الإسبانية على فاجعة رقمية: سرقت صورهنّ المأخوذة من حساباتهن على «إنستغرام» لتُدمج بأجسادٍ عارية عبر تطبيق ذكاءٍ اصطناعي صمّمها مراهقون من مدرستهن، مقابل عشرة يورو فقط لإنتاج 25 صورة مزيفة ملامحهن البريئة باتت بضغطة زر، مادةً للابتزاز والفرجة في مجموعات «واتساب». أصغر الضحايا لم تتجاوز الحادية عشرة من عمرها، وأكبرهن بالكاد بلغت الخامسة عشرة.ملامحهن البريئة باتت، بضغطة زر، مادةً للابتزاز والفرجة في مجموعات «واتساب».

إن قضية مدرسة «سيسيديل»، التي انتهت بأحكام قضائية ضد مراهقين لم يتجاوزوا الخامسة عشرة، ليست مجرد حادثة، بل هي جرس إنذار عالمي يحذّر من تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى سلاح ضد النساء.

صورة تظهر تحكم الذكاء الاصطناعي في خصوصية النساء (AI GENERATED-Gemini)

من الابتكار إلى الانتهاك

بدأ الأمر بوعدٍ تقني: فضاءٌ رقمي وأداة تفتح آفاقًا جديدة للتواصل والابتكار. فقد ظهرت تقنية «الديب فيك» في 2014 فهي تستخدم صورًا ومقاطع فيديو أو تسجيلات معدّلة باستخدام الذكاء الاصطناعي، وُجدت في بداياتها لأغراض ترفيهية وابداعية لكن هذا الوعد سرعان ما انكسر، ليتحوّل الذكاء الاصطناعي وفضاؤه الرقمي بالنسبة إلى ملايين النساء والفتيات إلى ساحةٍ مكتظّة بالعنف والإساءة، عنفٌ ينتشر اليوم بوتيرة مفزعة وبسهولة مرعبة.

فحتى وقتٍ قريب، كان تزوير الصور الجنسية يتطلّب وقتًا طويلًا ومهارات تقنية معقّدة. أمّا اليوم، وبفضل طفرة الذكاء الاصطناعي، فقد أصبحت هذه العملية فورية متاحة للجميع، ومجهولة الهوية. وهنا تعود التهمة الأولى إلى «بطل هذا العصر»: الذكاء الاصطناعي.

فقد كشف تقرير صادر عن مكتب الوقاية من العنف الأسري في نيويورك حقيقةً صادمة، إذ يشير إلى أن 96% من فيديوهات «التزييف العميق» المنتشرة على الإنترنت هي مواد جنسية، وأن 99% من ضحاياها من النساء. وباتت أي صورة تنشرها امرأة على حساباتها الشخصية قابلة لأن تتحوّل، خلال ثوانٍ، إلى محتوى جنسي يُستخدم ضدّها.

ولا يتوقّف الأمر عند الصور فحسب. فقدوثّق معهد الحوار الاستراتيجي، في تقرير صدر في أكتوبر 2025، كشفت وجود منظومة رقمية متكاملة مخصّصة لتعريّة صور النساء. وقالت الباحثة آن كرانين إن هناك شبكة كاملة من المواقع والتطبيقات المتخصّصة في إنشاء وتوزيع محتوى «ديب فيك»، حيث سجّلت تطبيقات «التعرّي الافتراضي» خلال عام 2025 نحو 21 مليون زيارة، إلى جانب آلاف الإعلانات المنشورة على منصّات كبرى مثل «ميتا».

ويؤكّد الخبراء أن إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي ضد النساء لا تقتصر على «Grok» وحدها. فرغم محاولات أدوات مثل ChatGPT وGemini وClaude الحدّ من المحتوى الصادم، فإنها لا تزال عاجزة عن توفير حماية كاملة للنساء، فيما تبقى بعض المنصّات أكثر عرضةً للاستخدام المسيء من قبل المستخدمين، سواء كانوا مشتركين أو غير مشتركين

صورة تظهر التحيّز الجنسي للذكاء الاصطناعي(GEMINI -AI GENERATED)

هل الذكاء الاصطناعي محايد أم ذكوري يكره النساء؟

لا يمكن اعتبار الذكاء الاصطناعي ذكورياً أو عنيفاً في جوهره لأنه لا يتصرف من نفسه، بل تكمن الحقيقة في أن العنف والتحيز الصادرين عنه لا يقتصران على سوء استخدام المستخدمين فقط، بل يمتدان إلى البنية التقنية ذاتها. فالآلة لا تخلق ممارسات عنيفة من العدم، بل تستند إلى بيئة رقمية وتتغذى من بيانات مصنفة بأنها “ذكورية الهيكلية”.

لقد تدربت نماذج الذكاء الاصطناعي على كميات هائلة من السجلات، المنشورات، الصور، والفيديوهات، وهي جميعها نتاج ثقافات مجتمعية يهيمن عليها الفكر الذكوري. وبطبيعة الحال، فإن هذا الفضاء الرقمي المشبع بالانحياز سيعيد إنتاج التمييز الجندري عبر أداة تقنية حديثة
وفي هذا السياق، أوضح تقرير صادر عن الايونسكو (فبراير 2025) أن أدوات الذكاء الاصطناعي غالباً ما تعيد إنتاج عدم المساواة الجندرية كونها تتعلم من ما وصفته ب”تاريخ رقمي منحاز”. هذا التاريخ يجعل الآلة تبني روابط تلقائية تحصر المرأة في قوالب مرتبطة بـ “الجسد”، بينما تربط الرجل بـ “العقل والقدرة الذهنية”

يظهر هذا الانحياز أيضاً بوضوح في الممارسات التقنية؛ حيث كشفت دراسة أجريت على ChatGPT في أكتوبر 2025 أنه عند طلب إنتاج سيرة ذاتية (CV)، يميل النموذج إلى إظهار النساء بصفات تعكس “خبرة أقل وسناً أصغر” مقارنة بالرجال، حتى في الحالات التي تتساوى فيها المعطيات المهنية بين الطرفين

لا يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يحمل كراهية في طبيعته، بل هو آلة تتغذى على بيانات لطالما شجعت هذه الكراهية، ببساطة لأنها تجذب التفاعل. ومع كل هذه الأرقام والصور الصادمة وشواهد العنف الرقمي ضد النساء، تتضح الحاجة الملحّة لوضع سياسات واضحة تحمي النساء في الفضاء الإلكتروني. فالمسألة لا تتعلق فقط بالواقع الافتراضي على الشاشة، بل بالعالم الحقيقي الذي تتسرب إليه آثار هذا العنف لأن ما يبدأ على هذه الشاشة لا يبقى عليها فقط. فمن الضروري رفع مستوى الوعي بأساليب التعامل مع الذكاء الاصطناعي وتطوير آليات تمنع ترسيخ كراهية النساء في مستقبلنا الرقمي، لأن ما يُبنى اليوم في الخوارزميات سيؤثر على المجتمع غدًا. إنه تحدٍ أخلاقي وتقني معا وواجب جماعي لحماية النساء وضمان أن يكون الفضاء الرقمي مكانًا للابتكار، لا للتهديد والكراهية.

لقراءة مقالات ذات صلة:

COMMENTS

WORDPRESS: 0
DISQUS: