أمام متجر لبيع الهواتف الخلوية في أحد شوارع العاصمة بيروت، يجلس أمير ممسكًا بهاتفه الذكي، فقد انضم حديثًا إلى المستثمرين في العملات الرقمية في لبنان.
أمام متجر لبيع الهواتف الخلوية في أحد شوارع العاصمة بيروت، يجلس أمير ممسكًا بهاتفه الذكي، فقد انضم حديثًا إلى المستثمرين في العملات الرقمية في لبنان. ومنذ ذلك الحين، يمضي الشاب الثلاثيني ساعات من يومه شاخصًا في شاشة تطل على عالم افتراضي، ينقّل أصابعه بين التطبيقات، محاولًا أن يتابع تقلب أسعار العملات الرقمية التي باتت بالنسبة له ولمئات غيره مصدر قلق وأمل في آنٍ واحد.
ما هي العملات الرقمية؟
والعملات الرقمية هي أداة مالية رقمية تُستخدم كمخزن للقيمة ووسيلة محتملة للتبادل، تُنشأ وتُخزن إلكترونيًا على البلوك تشين”، باستخدام تقنيات تشفير للتحقق من تحويل الأموال وخوارزمية للتحكم في إنشاء الوحدات النقدية “الجديدة.
ولا يوجد شكل مادي لهذه العملة، وتوجد في شبكة لامركزية تمامًا، يُحدد عرضها بواسطة البروتوكول، وليس بواسطة بنك مركزي، وفق موقع “بي دبليو سي“.
ازداد الاقبال على العملات الرقمية في لبنان بعيد الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد، وتمثلت بانهيار قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي، واحتجاز المصارف لأموال المودعين. وقد ارتفع معدل التضخم من 2.9% في عام 2019 إلى 221.3% في عام 2023، وفق إدارة الإحصاء المركزي.
وفي ظل ندرة “الكاش” الدولاري في بعض الفترات، أصبح الـ USDT يُتداول في لبنان وكأنه “دولار إلكتروني” مقبول لدى فئة واسعة من التجار والمستثمرين. والـ USDT هو عملة رقمية مرتبطة بالدولار الأميركي.
الأزمة الاقتصادية عززت الاهتمام بالعملات الرقمية في لبنان
وفي هذا الإطار، يوضح استشاري العملات الرقمية والشريك المؤسس لشركة “BuybitcoinLeb، نادر الديراني في حديث لموقع “كذا تك” أن وسائل التواصل الاجتماعي، ولاسيما منصات “إنستغرام” و”تيك توك” لعبت دورًا في انتشار المعلومات حول قطاع العملات الرقمية في لبنان.
ويقول الديراني: “إن الأزمة الاقتصادية التي يشهدها لبنان حوّلت الانتباه إلى قطاع العملات الرقمية رغم أن القطاع كان قائمًا بالفعل قبل عام 2019. فقد أسّس الديراني شركة ” BuybitcoinLeb ” في عام 2013.
كما يلحظ الديراني الدور الذي لعبه وصول دونالد ترمب إلى سدة الرئاسة الأميركية ما أعطى دفعة لهذا القطاع. ففي مارس/ آذار الماضي، أعلن ترمب عن تأسيس احتياطي أميركي إستراتيجي للعملات الرقمية.
كيف تتم عملية شراء العملات الرقمية في لبنان؟
لم يكن أمير يعرف الكثير عن عالم العملات الرقمية قبل أن يتلقى نصيحة أحد أصدقاءه. ويقول أمير في حديث لموقع “كذا تك”: “ادخرت مبلغًا صغيرًا بشق الأنفس وقد أقنعني صديقي بسهولة بالاستثمار في عملة رقمية”، مشيرًا إلى أنه دفع المبلغ لوسيط بعد أن أنشأ له محفظة رقمية.
ويلجأ اللبنانيون إلى منصّات متخصصة في تداول العملات الرقمية وشبكات تحويل فردية،فيما يعتمد المغتربون والعاملون مع جهات خارجية على العملات الرقمية لإرسال الأموال بسرعة وبتكلفة أقل.
يفتح المستخدم حسابًا على إحدى منصات تداول العملات الرقمية مثل منصة “بينانس” ويقوم بإنشاء حساب عادي ثم تفعيل إجراءات التحقق من الهوية باستخدام جواز السفر أو بطاقة الهوية. وبسبب القيود المصرفية، لا يعتمد اللبنانيون عادة على التحويلات البنكية، بل يستخدمون قسم التداول المباشر بين الأفراد لشراء العملات الرقمية مباشرة من أشخاص آخرين مقابل الدفع نقدًا أو بوسائل محلية متفق عليها. وبعد إتمام عملية الشراء، يمكن للمستخدم الاحتفاظ بالعملة على المنصة أو تحويلها إلى محفظته الرقمية الخاصة.

وتتنوع العملات الرقمية المتاحة للاستثمار ومنها البيتكوين (BTC) والعديد من العملات البديلة (مثل إيثيريوم، سولانا، كاردانو) والعملات المستقرة مثل USDT المرتبطة بالعملات الورقية، وعملات الخصوصية مثل مونيرو، وزيكاش.
يبلغ حجم سوق العملات الرقمية نحو 3 ترليون دولار
وتحتل البيتكوين نحو 60% من هذه السوق
ورغم أن جميع العملات الرقمية هي لامركزية على اعتبار أنها لا تصدر عن بنك مركزي تقليدي، لكن البيتكوين هي العملة الرقمية اللامركزي الوحيدة لأن باقي العملات الرقمية تتعلّق بخادم معين مملوك لجهة معينة.
وحتى أبريل 2025، بلغ عدد العملات الرقمية المتداولة 17,134 عملة، منها 385 عملة رقمية نشطة.
ويوجد أكثر من 560 مليون مستخدم للعملات الرقمية حول العالم.
وباتت أكثر من 16350 شركة حول العالم تقبل العملات المشفرة في عام 2025، وفق موقع “كوين ليدير“.
وبحسب موقع “آي انفيست“، فمن المتوقع أن يحقق سوق العملات الرقمية في لبنان إيرادات بقيمة 7.3 مليون دولار أميركي بحلول عام 2026. كما يتوقع وصول عدد المستخدمين إلى 430,800 مستخدم.
مخاطر الاستثمار في العملات الرقمية في لبنان
ويبدو أن أمير، المستثمر حديثًا في إحدى العملات الرقمية، متفائلًا بأن استشماره سيحقق له الأرباح قريبًا ما قد يخرجه من روتين الوظيفة اليومي.
لكن الأمر ليس بهذه السهولة، وفق استشاري العملات الرقمية نادر الديراني، الذي يقول: ” الناس يصدقون أن السماء يمكن أن تمطر نقودًا”. ويؤكد أن الاستثمار في العملات الرقمية هو استثمار عالي المخاطر، مشيرًا إلى أن حجم هذا الاستثمار يجب أن لا يتخطى 10% من رأسمال الفرد.
فعلى الرغم من المتانة التقنية التي يتمتع بها التشفير والبلوك تشين، إلا أن التعقيد البرمجي المرتبط باستخدام وتخزين الأصول المشفرة يمثل تحديًا ومخاطرة كبيرة للمستخدمين الجدد. وقد اكتسبت هذه العملات سمعةً محفوفة بالمخاطر كاستثمارات غير مستقرة؛ نتيجة الخسائر الجسيمة التي قد يتكبدها المستثمرون بسبب عمليات الاحتيال، والاختراقات الأمنية، أو حتى الأخطاء التقنية والتقلبات الحادة في السوق.
وبخلاف الأنظمة المالية التقليدية، تفتقر العملات المشفرة لخاصية “عكس المعاملات” فبمجرد إتمام التحويل، لا توجد وسيلة تقنية لإلغائه أو استرداد الأموال. علاوة على ذلك، فإن اعتماد شريحة واسعة من المتداولين على منصات تداول خارجية أو جهات وسيطة لحفظ عملاتهم، يضع استثماراتهم تحت رحمة هذه الجهات؛ إذ إن تعرض أيٍّ منها للسرقة، الاختراق، أو الانهيار المالي قد يؤدي إلى فقدان الاستثمار بالكامل.
لا قوانين تنظم قطاع العملات الرقمية في لبنان
ونظرًا لغياب اللوائح التنظيمية المتماسكة، فإن الحماية من ممارسات الإدارة الخادعة أو غير الأخلاقية محدودة.
لا يزال التلاعب بالسوق يمثل مشكلة كبيرة لمستثمري العملات الرقمية، حيث يروج أشخاص ومؤسسات ومنصات تداول ذات نفوذ لرموزهم المفضلة.
يتساءل الديراني: ” أين المشرع اللبناني الغائب عن الوعي”؟
في إشارة إلى غياب القوانين التي تنظم عمل هذا القطاع في لبنان.
وتتسم الوضعية القانونية للعملات الرقمية في لبنان بكونها مزيجًا من الحظر المؤسساتي والصمت التشريعي؛ حيث لا يزال لبنان يفتقر إلى قانون صريح يُنظم أو يُجرّم حيازة هذه الأصول.
ويتبنى مصرف لبنان المركزي موقفًا صارمًا يهدف إلى عزل النظام المصرفي التقليدي عن مخاطرها، حيث تحظر تعاميمه على المصارف والمؤسسات المالية والمحافظ الإلكترونية المرخصة التعامل بها أو تسهيل شرائها. وكان مصرف لبنان قد حّذر في تعميم صدر عام 2013 من شراء وحيازة واستعمال النقود الافتراضية استدراكًا للمخاطر والخسائر الجمة التي قد تنجم عن ذلك. كما حظر اصدار النقود الإلكترونية والتعامل بھا بأي شكل من الأشكال.

وفي عام 2024 أصدر مصرف لبنان المركزي تعميمًا تضمن قيودًا تمنع الشركات التي تقدم خدمات المحفظة الإلكترونية من استخدام أرصدة الزبائن في شراء أصول رقمية أو السماح بتحويل الأموال من المحفظة إلى منصات تداول العملات الرقمية مثل بيناننس.
يؤكد المشهد اللبناني الحالي أن العملات الرقمية، ورغم فاعليتها كنظام مالي موازٍ، تظل سلاحًا ذا حدين؛ فهي توفر الحرية المالية والسرعة، لكنها تفتقر إلى الأمان المؤسساتي والغطاء القانوني. ومع استمرار الفجوة بين التطور الرقمي والرقابة الرسمية، يبقى الوعي التقني للمستخدم هو خط الدفاع الأول والوحيد، في انتظار إطار تنظيمي يوازن بين حماية حقوق المواطنين ومواكبة الثورة المالية العالمية.
مقالات ذات صلة:
اختراقات الفضاء الالكتروني: معركة جديدة تدخل ساحة القتال
“كبسة واحدة” قد تحوّل البيانات الرقمية إلى فريسة بيد القراصنة
التجسس الرقمي المبرمج يحكم العالم والمستخدم ملاحق بأشيائه الإلكترونية وأدوارها الخفية


COMMENTS