يُعد البحر أحد أهم الأرشيفات التاريخية غير المستكشفة في العالم, إذ تخفي أعماقه الكثير من المواقع الأثرية التي تعود لحضارات قديمة,مثل السفن التجارية
يُعد البحر أحد أهم الأرشيفات التاريخية غير المستكشفة في العالم, إذ تخفي أعماقه الكثير من المواقع الأثرية التي تعود لحضارات قديمة,مثل السفن التجارية الغارقة, المرافئ التاريخية, والمدن المغمورة. ومع تطور البحث العلمي, أصبح علم الآثار البحرية فرعًا أساسيًا لفهم التاريخ الإنساني من منظور بحري, إلا أن هذا العلم يواجه تحديات كبيرة بسبب صعوبة الوصول إلى الأعماق البحرية.
في هذا السياق، لعبت الروبوتات الغواصة دورًا محوريًا في تطوير أساليب الكشف والتوثيق, حيث سمحت باستكشاف مواقع لم يكن الوصول إليها سابقا امرا سهلا ,مع الحفاظ على سلامة الباحثين والمواقع الأثرية. يهدف هذا المقال إلى دراسة دور الروبوتات الغواصة في علم الآثار البحرية، مع التركيز على التقنيات المستخدمة، أهميتها الأكاديمية، والتجربة اللبنانية في هذا المجال.

تحديات الغوص البشري في علم الآثار البحرية
قديما, كان علم الآثار البحرية يعتمد على الغوص البشري, إلا أن هذا الأسلوب يواجه قيودًا فيزيائية وتقنية عديدة. فالأعماق الكبيرة تؤدي إلى زيادة الضغط,ما يحدّ من زمن بقاء الغواص تحت الماء ويزيد من المخاطر الصحية, مثل مرض تخفيف الضغط ونقص الأوكسجين.
إضافة إلى ذلك, تتأثر عمليات الغوص بعوامل طبيعية مثل ضعف الرؤية,التيارات البحرية,وانخفاض درجات الحرارة. هذه العوامل تجعل من الصعب إجراء عمليات توثيق دقيقة أو العمل لفترات طويلة في الموقع الأثري, خاصة عندما يكون الموقع حساسًا أو هشًا.
والذي يميز هذه الروبوتات انها قادرة على توثيق المواقع الاثرية بدقة عالية باستخدام الكاميرات واجهزة الاستشعار , إضافة إلى إمكانية إعادة المسح المتكرر للموقع نفسه دون التأثير على البيئة المحيطة. هذا التحوّل التقني لا يلغي دور الغواص البشري، بل يعيد تعريفه ضمن إطار بحثي يعتمد على التحليل الرقمي والتوثيق غير التدخلي.
أنواع الروبوتات الغواصة المستخدمة في علم الآثار البحرية
المركبات الغواصة الموجهة عن بُعد (ROV)
تُستخدم مركبات ROV على نطاق واسع في البعثات الأثرية البحرية, ويتم التحكم بها من على سطح السفينة عبر كابل متصل. تتميز هذه المركبات بكاميرات عالية الدقة وأذرع آلية تسمح بالتعامل الدقيق مع الموقع الأثري دون إحداث ضرر.
https://oceanexplorer.noaa.gov/technology/rov/rov.html
المركبات الغواصة المستقلة (AUV)
تعمل مركبات AUV بشكل مستقل دون اتصال مباشر بالسفينة، وتُستخدم لمسح مساحات واسعة من قاع البحر باستخدام السونار وأجهزة الاستشعار. تُعد هذه المركبات أداة فعالة لاكتشاف مواقع أثرية جديدة قبل إرسال فرق متخصصة لدراستها.
https://www.whoi.edu/what-we-do/explore/underwater-vehicles/

الروبوتات الغواصة
تتنوع الروبوتات الغواصة المستخدمة في علم الآثار البحرية بين نوعين رئيسيين:
- ROV – Remotely Operated Vehicle (مركبة موجهة عن بعد):
هي مركبة بحرية يتم التحكم بها عن بُعد بواسطة كابل متصل بالسفينة الأم. تستخدم غالبًا في المهام الدقيقة مثل التصوير التفصيلي للقطع الأثرية,التحليل المباشر للتربة أو الفحص البيئي للموقع. تتيح هذه المركبات للباحثين العمل على أعماق كبيرة مع الحفاظ على الأمان البشري, وتوثيق المواقع بشكل لحظي. - AUV – Autonomous Underwater Vehicle (مركبة مستقلة):
هي روبوت غاطس يعمل بشكل مستقل وفق برامج مسبقة دون الحاجة إلى كابل,مناسب لمسح مناطق واسعة تحت الماء بسرعة وكفاءة. يمكنها جمع البيانات البيئية، رسم خرائط ثلاثية الأبعاد للقاع، وتحديد مواقع محتملة للآثار المغمورة قبل إرسال ROV للقيام بالفحص الدقيق.
توفر هذه الأنواع من الروبوتات إمكانيات تكاملية: حيث يقوم AUV بالمسح الأولي للمناطق الكبيرة, ثم يتولى ROV إجراء الفحص الدقيق والتوثيق التفصيلي للقطع الأثرية.
التقنيات الرقمية في الكشف عن الآثار البحرية
يعتمد الكشف الحديث عن الآثار البحرية على مجموعة من التقنيات الرقمية المتقدمة التي تسهم في تحليل البيئات المغمورة بدقة عالية. من أبرز هذه التقنيات أنظمة السونار, التي تُستخدم لرسم خرائط تفصيلية لقاع البحر وتحديد الأجسام غير الطبيعية التي قد تشير إلى وجود بقايا أثرية, مثل السفن الغارقة أو المنشآت المغمورة.
إلى جانب ذلك, يلعب الذكاء الاصطناعي(AI) دورا متزايد الأهمية في معالجة كميات ضخمة من البيانات الصوتية والبصرية التي تجمعها الروبوتات الغواصة. تتيح خوارزميات التعلّم الآلي تصنيف الأشكال, التمييز بين التكوينات الطبيعية والبشرية, وتسريع عملية اتخاذ القرار لدى الباحثين. هذا التكامل بين السونار والذكاء الاصطناعي يقلّل من الاعتماد على الفحص اليدوي, ويزيد من كفاءة عمليات الاستكشاف مع الحفاظ على المواقع الأثرية من التدخل المباشر.
التوثيق ثلاثي الأبعاد والفوتوغرامتري
تُعد تقنية الفوتوغرامتري من أهم أساليب التوثيق الحديثة في علم الآثار البحرية, حيث تعتمد على التقاط عدد كبير من الصور من زوايا مختلفة وتحويلها إلى نموذج ثلاثي الأبعاد عالي الدقة.
تُستخدم هذه النماذج في:
- الدراسات الأكاديمية
- الحفاظ الرقمي على المواقع
- المتاحف الافتراضية والتعليم

البيئة البحرية وتأثيرها على حفظ الآثار المغمورة
تلعب البيئة البحرية دورا مزدوجا في حفظ الآثار المغمورة, إذ يمكن أن تساهم في حماية بعض المواد العضوية في البيئات منخفضة الأوكسجين, بينما تؤدي التيارات القوية والكائنات البحرية إلى تآكل أو طمر بعض المواقع.
تساعد الروبوتات الغواصة الباحثين على مراقبة هذه العوامل البيئية بشكل دوري, مما يسمح بفهم تطور حالة الموقع الأثري واتخاذ قرارات علمية مدروسة حول أساليب الحفظ.
Oxford Handbook of Maritime Archaeology
https://academic.oup.com/edited-volume/28047?login=false
قراءة المزيد: الروبوتات الغواصة في علم الآثار البحرية: كيف تُستخدم التكنولوجيا الحديثة لاكتشاف التراث المغمور
أخلاقيات استخدام التكنولوجيا في علم الآثار البحرية
مع التطور المتسارع في تقنيات الروبوتات الغواصة وأنظمة المسح الرقمي,برزت إشكاليات أخلاقية وقانونية معقدة تتعلق بكيفية التعامل مع التراث الثقافي المغمور. فسهولة الوصول إلى الأعماق البحرية باستخدام التكنولوجيا الحديثة قد تؤدي,في حال غياب الضوابط, إلى استغلال تجاري غير مشروع أو استخراج غير قانوني للقطع الأثرية.
تنص اتفاقية اليونسكو لعام 2001 بشأن حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه على مبدأ أساسي مفاده أن الحفاظ على الموقع في مكانه (In Situ Preservation) هو الخيار الأول والأفضل علميا, وأن أي تدخل يجب أن يكون لأغراض علمية بحتة وتحت إشراف مختصين معتمدين.
التحديات الأخلاقية لا تقتصر على النهب, بل تشمل أيضًا:
- نشر إحداثيات المواقع الحساسة على الإنترنت
- استخدام الصور ثلاثية الأبعاد لأغراض تجارية
- التدخل المفرط في الموقع بحجة التوثيق
- غياب إشراك السلطات المحلية في القرارات البحثية
هنا تلعب الروبوتات الغواصة دورا مزدوجا,فهي من جهة تقلل الحاجة إلى تدخل بشري مباشر,ومن جهة أخرى تتطلب إطارا قانونيا واضحا ينظم استخدامها. لذلك,تشدد المؤسسات الأكاديمية الدولية على ضرورة وجود:
إيداع البيانات الرقمية في أرشيف وطني أو جامعي
تراخيص رسمية قبل أي بعثة استكشافية
توثيق كامل لكل عملية مسح
https://www.unesco.org/en/legal-affairs/convention-protection-underwater-cultural-heritage: الروبوتات الغواصة في علم الآثار البحرية: كيف تُستخدم التكنولوجيا الحديثة لاكتشاف التراث المغموردور الروبوتات الغواصة في التعليم والبحث الأكاديمي
لم تعد الروبوتات الغواصة أدوات ميدانية فحسب,بل أصبحت جزءًا من البنية التعليمية في برامج علم الآثار البحرية والهندسة البحرية. تستخدم الجامعات اليوم البيانات المستخرجة من ROV وAUV في إنشاء بيئات تعليمية رقمية تتيح للطلاب دراسة المواقع الأثرية دون الحاجة إلى الغوص الفعلي.
وذلك بحسب معلومات ذكرتها مجلة علم الآثار البحرية
https://link.springer.com/journal/11457
من أبرز التطبيقات الأكاديمية:
- تحليل بيانات السونار ضمن مختبرات نظم المعلومات الجغرافية (GIS)
- بناء نماذج ثلاثية الأبعاد باستخدام برامج مثل Agisoft Metashape
- محاكاة عمليات المسح البحري ضمن بيئات افتراضية
- تدريب الطلاب على أخلاقيات البحث البحري
يسمح هذا النموذج التعليمي بتقليل التكاليف المرتبطة بالبعثات الميدانية, كما يفتح المجال أمام طلاب لا يمتلكون مهارات غوص احترافية للمشاركة في البحث.

واقع التكنولوجيا البحرية في لبنان: رؤية من الاتحاد اللبناني للغوص
في سياق البحث حول إمكانية توظيف الروبوتات الغواصة في علم الآثار البحرية داخل لبنان,تبرز أهمية الاستماع إلى الجهات المنظمة لقطاع الغوص محليًا. يُعد الاتحاد اللبناني للغوص (Lebanese Diving Federation & Rescue – LDFR) الهيئة الرسمية التي تنظّم نشاطات الغوص الرياضي والتقني في لبنان, وهو يعمل تحت إشراف وزارة الشباب والرياضة.
بحسب المعطيات المتاحة عبر أنشطة الاتحاد وبرامجه التدريبية, يتركّز نشاط الغوص في لبنان على الغوص الرياضي والتقني,إضافة إلى تنظيم الدورات الاحترافية وفق معايير دولية. غير أن التطور التكنولوجي في معدات الغوص وأنظمة الملاحة تحت الماء بات يفرض تحوّلًا تدريجيًا نحو إدماج أدوات أكثر تطورًا,مثل أنظمة التصوير المتقدم وأجهزة المسح تحت المائي.
وفي إطار متابعة هذا الموضوع,يشير ممثلون عن الاتحاد اللبناني للغوص إلى أن الساحل اللبناني يمتلك مقومات تاريخية مهمة,خاصة في مدن مثل صور, صيدا,وجبيل,حيث توجد شواهد أثرية معروفة تاريخيًا. إلا أن الانتقال من الغوص الاستكشافي إلى البحث الأثري المنهجي يتطلب تعاونًا مؤسساتيًا بين:
- المديرية العامة للآثار
- الجامعات اللبنانية
- الجهات البحثية الدولية
- والهيئات المنظمة للغوص
ويؤكد الاتحاد, من خلال توجهاته التدريبية,أهمية الالتزام بمعايير السلامة والاحتراف في أي نشاط غوص, لا سيما في البيئات التي قد تحتوي على مواقع ذات قيمة تاريخية. كما ينسجم هذا التوجه مع مبادئ حماية التراث المغمور التي نصّت عليها اتفاقية اليونسكو لعام 2001 بشأن حماية التراث الثقافي تحت الماء, والتي تشدد على مبدأ الحفاظ على الموقع في مكانه وعدم التدخل غير العلمي.
من منظور عملي, يمكن للاتحاد اللبناني للغوص أن يشكّل شريكا لوجستيا وتقنيا في حال إدخال الروبوتات الغواصة إلى مشاريع بحثية مستقبلية,نظرا لخبرته في إدارة أنشطة الغوص وتنظيم الكوادر البشرية المؤهلة. كما أن الجمع بين خبرة الغواصين المحليين والتكنولوجيا الحديثة قد يساهم في بناء نموذج وطني مستدام لحماية التراث البحري.
وعليه فإنه لا يُنظر إلى الروبوتات الغواصة كبديل للغواص اللبناني, بل كأداة مكملة ترفع من مستوى الدقة والأمان وتوسّع نطاق البحث إلى أعماق يصعب الوصول إليها بالوسائل التقليدية.
انطلاقًا من كل ما سبق, يمكن القول إن مستقبل علم الآثار البحرية يرتبط بشكل وثيق بالتطور التكنولوجي,لكن نجاح هذا المسار يبقى مرهون بمدى الالتزام بالمعايير الأخلاقية والقانونية, وبقدرة المؤسسات الأكاديمية على تبنّي نهج علمي مستدام. وعليه,فإن الجمع بين الخبرة البشرية والتكنولوجيا المتقدمة لا يمثل خيارًا تكميليا فحسب,بل ضرورة علمية لضمان دراسة التراث المغمور بطريقة مسؤولة ودقيقة.
مقال ذو صلة
المسيرات الأوكرانية: كيف غيرت قواعد الحرب الروسية الأوكرانية؟

COMMENTS