مع سرعة تحوّلات الذكاء الاصطناعي في الصحة ،هل سبق أن سألت روبوتًا طبيًا عن ألم يزعجك؟ يحدث هذا اليوم أكثر مما نعتقد. فقد أظهرت دراسة حديثة نُشرت في "
مع سرعة تحوّلات الذكاء الاصطناعي في الصحة ،هل سبق أن سألت روبوتًا طبيًا عن ألم يزعجك؟ يحدث هذا اليوم أكثر مما نعتقد. فقد أظهرت دراسة حديثة نُشرت في “جورنال أوف ميديكال انترنت ريسرتش” أن أكثر من واحد من كل خمسة بالغين (21.5%) لجأوا إلى أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل تشات جي بي تي، للحصول على نصائح أو معلومات صحية..”
هذه الإحصائية، التي كشفت عنها الدراسة ليست مجرد رقم؛ بل هي مؤشر على تحول جذري في علاقة الناس بأجسادهم وطريقة سعيهم للعلاج. فقد أظهرت الدراسة أن هذا التبني السريع ليس عشوائياً، بل يتركز بين فئات معينة—وخاصة الأفراد الذين يميلون إلى استخدام الرعاية الصحية السريعة (مثل الطوارئ والمراكز العاجلة)، ويشكون من حالة صحية أسوأ.
وبينما يعتقد أكثر من 81% من مستخدمي الذكاء الاصطناعي أن المعلومات التي يحصلون عليها هي بنفس فائدة معلومات الطبيب أو أكثر فائدة منها، فإن نحو ثلث هؤلاء المستخدمين يذهبون إلى أبعد من ذلك، حيث يقررون تغيير الأدوية أو طلب إحالة متخصصة بناءً على ما يقدمه الذكاء الاصطناعي. هذا التحدي يفرض نفسه بقوة على الأطباء والمختصين:
هل بات الذكاء الاصطناعي، رغم مخاطره، هو المستشار الصحي الجديد المفضل للجمهور؟ وكيف يمكن للمنظومة الصحية التكيف مع هذا الواقع لضمان سلامة المرضى؟
لماذا يلجأ المرضى إلى استشارة الذكاء الاصطناعي في الصحة؟
لماذا أصبح الذكاء الاصطناعي “المرشد الصحي الأول” لدى الكثيرين؟ ببساطة، لأنه حاضر دائمًا، وسريع، ومجاني تقريبًا. فعندما يتعرض شخص لعرض بسيط كصداع مفاجئ أو طفح جلدي، يكون الهاتف أقرب إليه من الطبيب، والسؤال الرقمي أسهل من حجز موعد أو الانتظار في العيادة. كما توفّر هذه المنصات مساحة من الخصوصية تتيح للمستخدم أن يسأل عن أمور قد يخجل من طرحها وجهًا لوجه أمام الطبيب.
:يقول أحد المرضى الذين قابلناهم
“أغلب الأسئلة الصحيّة التي أطرحها على تشات جي بي تي تتعلق بمشاكل بسيطة مثل قشرة الرأس أو الحبوب على الوجه. لم أصل يومًا إلى مرحلة تغيير الدواء أو تعديل وصفة الطبيب بناء على إجاباته… بعدنا بدنا شوية وقت لحتى نثق فيه بمجال حساس مثل الطب.”
:هذه التجربة تكشف معضلة جوهرية
المستخدمون يلجؤون إلى الذكاء الاصطناعي لأنهم يبحثون عن طمأنة سريعة، لكن الإجابة الخاطئة قد تقود في المقابل إلى قلق غير ضروري.
بالنسبة له ولغيره، الذكاء الاصطناعي يسد فجوة بين القلق الأولي والاستشارة الطبية الفعلية، لكنه لا يزال خطًا أوليًا للاطمئنان وليس بديلًا للرعاية الصحية المتخصصة. لكن هذه الثقة المحدودة تتبدد بسرعة عندما يتعلق الأمر بالتشخيصات المعقدة، حيث يزداد القلق عندما تختلف استجابة الذكاء الاصطناعي عن تقييم الطبيب — كما حصل مع الحالة نفسها عندما أدخل تخطيط دماغه (EEG) إلى النظام، فكانت النتيجة مغايرة تمامًا لما أكده الطبيب لاحقًا.
كيف يساعد الذكاء الاصطناعي المستخدمين في صحتهم؟
في تجربة عملية ضمن إعداد التقرير، طرحنا على تطبيق تشات جي بي تي سؤالًا مباشرًا عن دوره الصحي، فجاء الجواب كالآتي:
“بصفتي تطبيق ذكاء اصطناعي، أساعد المستخدمين في فهم أعراضهم الصحية من خلال تحليل المعلومات ومقارنتها بمصادر طبية موثوقة، ثم تقديم إرشادات أولية حول الخطوات المناسبة. كما أُبسّط المصطلحات الطبية، وأساعد في تفسير بعض التحاليل والفحوصات بطريقة مفهومة.
يمكنني أيضًا دعم المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة عبر تقديم نصائح حول نمط الحياة، ومتابعة عوامل مثل الغذاء والنوم والنشاط البدني. والأهم، أنني متاح دائمًا — ما يمنح المستخدم طمأنة سريعة عند ظهور أي قلق صحي.
لا أهدف إلى استبدال الطبيب، بل إلى تمكين المستخدم من فهم صحته واتخاذ قرارات أفضل بشأن مراجعة الرعاة الصحيين عند الحاجة.”
الخبراء يحذّرون: ثقة متزايدة في “الطبيب الرقمي” … وشرخ يتّسع مع العيادات
هذا التحوّل الرقمي المتسارع لا يمرّ بهدوء داخل القطاع الصحي. فالمريض بات يدخل اليوم إلى عيادة الطبيب حاملاً “تشخيصًا جاهزًا” استقاه من أدوات رقمية، غالبًا ما تُبرز أسوأ الاحتمالات. وفي هذا السياق، أصبح الذكاء الاصطناعي في الصحة أحد أكثر القضايا إثارة للنقاش بين المرضى والأطباء على حدّ سواء.
يشرح د. محمد علي علي أحمد، طبيب أطفال:
«بدلًا من أن يأتي الأهل ليطمئنّوا، يدخلون مذعورين… مقتنعين أن طفلهم مصاب بمرض خطير لمجرّد أن التطبيق قدّم الاحتمال الأشد خطورة. »
ومع أن الذكاء الاصطناعي قد يقدّم أحيانًا معلومات صحيحة، إلا أن طريقة تلقّيها تصبح مشكلة بحدّ ذاتها، كما تقول د. زهراء ح.: “بعض المرضى لا يسألون للاستفسار، بل لاختبار الطبيب. وعندما يسمعون إجابة مختلفة عمّا قاله الذكاء الاصطناعي، يرتبكون… وكأن الحقيقة يجب أن تكون رقمية فقط.”
وهنا تكمن الأزمة: الذكاء الاصطناعي لا يرى المريض… بينما الطبيب يراه.
الطبيبة المتخصصة بالأمراض الداخلية، د. غدير حيدر، توضّح هذه الزاوية بعمق أكبر:
«الذكاء الاصطناعي شمولي. المريض فرد. الخلط بين الأمرين يسحب النقاش إلى متاهة التفاصيل النظرية… بعيدًا عن التقييم السريري الواقعي.»
ووفق ما تقوله علياء ترحيني، مسؤولة قسم تمريضي، تتفاقم المسألة نفسيًا:
«المعلومات الرقمية قد تثير قلقًا زائدًا بدل أن تهدّئه. والأسوأ حين يعتقد المريض أن التطبيق أكثر دقة من الطبيب.»
حتى في التغذية — حيث قد تبدو النصائح أبسط — تظهر المشكلة نفسها، كما تشير اختصاصية التغذية بتول مندو:
«إذا لم تُقدّم كل تفاصيل جسمك وحالتك ونمط حياتك، فالنتيجة قد تكون خارج الواقع تمامًا. التطبيق لا يعرفك… إلا بمقدار ما تخبره أنت.»
وهنا يتدخّل خبير الذكاء الاصطناعي سامي شمس الدين ليكشف فجوة تقنية جوهرية:
«الذكاء الاصطناعي لا يستطيع أن “يسحب” المعلومات من المريض كما يفعل الطبيب. هو يسير خلف ما ندخله نحن. إذا وصفنا الألم بطريقة خاطئة، فالتشخيص سينحرف من البداية.»
فالمشكلة ليست فقط في المعلومات…بل في الإنسان الذي يزوّد الذكاء الاصطناعي بتلك المعلومات.
ويذهب شمس الدين إلى أبعد من التشخيص، متنبئًا بدور أكبر للتقنية مستقبلًا:«قد يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب العام خلال السنوات القادمة. أما التخصصات والجراحة؟ هذا يحتاج أجيالًا من التطوّر… لأن الطب ليس معادلة حسابية فقط.»
إذن، يجمع المتخصصون على أن الذكاء الاصطناعي في الصحة يفرض تحديات جديدة على العلاقة بين الطبيب والمريض.
كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي في الصحة بأمان؟
الذكاء الاصطناعي يمنحنا قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى المعرفة الصحية. لكن الاستفادة منه بذكاء تتطلب مجموعة قواعد أساسية، كي لا يتحوّل التوجيه الرقمي إلى تشخيص خاطئ أو قرار خطير.
إليك أهم التوصيات التي يجمع عليها الأطباء والخبراء:

وهكذا، نجد أنفسنا أمام مرحلة جديدة في علاقة الإنسان بصحته. لم يعد الطريق نحو المعلومة الصحية يمرّ حصريًا عبر العيادة؛ فـ «الطبيب الرقمي» حاضر على مدار الساعة، يجيب ويطمئن ويقترح حلولًا فورية بضغطة زر. لكن هذه السرعة التي تجذبنا إلى الذكاء الاصطناعي قد تخفي هشاشتها: معلومة بلا سياق، وتفسير بلا فحص، وثقة تُبنى على خوارزمية لا ترى صاحبها.
الخبراء الذين استمعنا إليهم يتفقون على معادلة بسيطة: الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة فعّالة للتوعية الطبية، شرط ألا يُستخدم كبديل عن تشخيص الطبيب.
يبقى السؤال مطروحًا حول مستقبل الذكاء الاصطناعي في الصحة ودوره في دعم الأنظمة الطبية دون أن يحلّ محل الإنسان.وما بين الحذر والانفتاح، يبقى التحدي الأكبر:
كيف نستخدم هذه الأدوات دون أن نفقد البوصلة؟
لقراءة المزيد: انقر هنا


COMMENTS
[…] […]