لم يعد الذكاء الاصطناعي في التعليم الجامعي حكرًا على اختصاصات الهندسة وعلوم الحاسوب، بل تحوّل خلال السنوات القليلة الماضية إلى مكوّن أساسي في مخت

لم يعد الذكاء الاصطناعي في التعليم الجامعي حكرًا على اختصاصات الهندسة وعلوم الحاسوب، بل تحوّل خلال السنوات القليلة الماضية إلى مكوّن أساسي في مختلف الحقول الأكاديمية، من إدارة الأعمال، إلى الإعلام، إلى الصحة العامة، وحتى الاختصاصات الإنسانية.
هذا التحوّل فرض على الجامعات، لا سيما في دول تعاني من أزمات اقتصادية وبطالة شبابية كلبنان، إعادة النظر في مناهجها التعليمية بما يضمن إعداد خريجين قادرين على الاندماج في سوق عمل سريع التغيّر.
لماذا أصبح دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم الجامعي ضرورة؟
1. مواكبة التطور التكنولوجي ومتطلبات السوق
يشهد العالم تسارعًا غير مسبوق في تبنّي التقنيات الذكية، ما يجعل تجاهل الذكاء الاصطناعي في التعليم الجامعي فجوة خطيرة بين الجامعة وسوق العمل.
ومن هذا المنطلق، بات من صلب مسؤولية الجامعات، بوصفها مؤسسات لإعداد رأس المال البشري، تهيئة الطلاب على التفاعل الواعي والمهني مع أدوات الذكاء الاصطناعي في بيئاتهم العملية.
يُظهر التقرير أن الوظائف التي تشير إلى مهارات في الذكاء الاصطناعي غالبًا ما تكون مرفقة برواتب أعلى، بمتوسط يزيد بنحو 28% مقارنة بالوظائف التي لا تذكر هذه المهارات
2. تحسين فرص التوظيف محليًا وعالميًا
أفاد تقرير حديث صادر عن Lightcast بأن إعلانات الوظائف التي تتطلب مهارات في الذكاء الاصطناعي التوليدي ضمن وظائف لا تندرج في إطار اختصاصات علوم الكمبيوتر أو تكنولوجيا المعلومات قد سجّلت نموًا بمقدار تسعة أضعاف بين عامي 2022 و2024، مع أكثر من 80 ألف إعلان وظيفة يبحث عن هذه المهارات.
وأشار التقرير إلى أن «القدرات التقنية في مجال الذكاء الاصطناعي تشكّل الأساس، إلا أن النجاح الفعلي يعتمد على العاملين القادرين على توظيف هذه الأدوات بشكل استراتيجي، والتواصل الفعّال للبيانات والتحليلات، وحل المشكلات التي تتطلب مزيجًا من الحكم البشري وقدرات الآلة».
كما يُظهر التقرير أن الوظائف التي تشير إلى مهارات في الذكاء الاصطناعي غالبًا ما تكون مرفقة برواتب أعلى، بمتوسط يزيد بنحو 28% مقارنة بالوظائف التي لا تذكر هذه المهارات، ما يعكس القيمة المتصاعدة لهذه الكفاءات في سوق العمل.
ولفت التقرير إلى أن عددًا من أصحاب الأعمال والشركات يرون أن الذكاء الاصطناعي بات يشكّل تهديدًا للوظائف المبتدئة المخصّصة للمواهب الشابة، الأمر الذي يحمّل الجامعات مسؤولية إضافية في دمج الذكاء الاصطناعي ضمن مناهجها الأكاديمية، بما يواكب التحوّلات المتسارعة في سوق العمل ويؤمّن خريجين أكثر جاهزية للواقع المهني الجديد.

3. التكيّف مع اختفاء الوظائف التقليدية أو تبدّل طبيعتها
ألغى التطوّر التكنولوجي عددًا من الوظائف التقليدية وبدّل طبيعة وظائف أخرى، وهو مسار تاريخي رافق التحوّلات الصناعية خصوصًا منذ القرن التاسع عشر. فوظيفة الصحافي، على سبيل المثال، تغيّرت جذريًا قبل المطبعة وبعدها وقبل الإنترنت وبعد، كما جرى الاستغناء عن مهن مثل الخطّاط في الصحف.
وعليه، فإن إدخال الذكاء الاصطناعي في التعليم الجامعي لا يهدف فقط إلى تعليم الأدوات، بل إلى تعزيز مهارات إنسانية لا يمكن استبدالها، مثل التفكير النقدي، والإبداع، والتحليل، وحلّ المشكلات المعقّدة، واتخاذ القرار، وهي مهارات أساسية لحماية الطلاب من مخاطر الاستبدال التكنولوجي.

جامعة فينيسيا: نموذج لبناني في الدمج المبكر للذكاء الاصطناعي
تُعد جامعة فينيسيا من الجامعات اللبنانية التي بادرت مبكرًا إلى دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم الجامعي ضمن رؤيتها الأكاديمية، انطلاقًا من قناعة بأن التطوير المستدام للتعليم لا ينفصل عن متطلبات السوق.

كيف دمجت جامعة فينيسيا الذكاء الاصطناعي في مناهجها؟
ماجستير إدارة الأعمال مع تركيز على الذكاء الاصطناعي وعلم البيانات
أطلقت الجامعة برنامج ماجستير إدارة أعمال مع تركيز خاص على الذكاء الاصطناعي وعلم البيانات، في تحوّل يعكس الانتقال من الإدارة التقليدية إلى ما يُعرف بالإدارة المعتمدة على البيانات واتخاذ القرار الذكي.
ويقول الدكتور أحمد حجازي، عميد كلية إدارة الأعمال في الجامعة:”رؤيتنا أن تنتقل الجامعة من مكان يكتفي فيه الطالب بحفظ المعارف، إلى مساحة تُطوّر مهاراته وقدرته على التواصل وحلّ المشكلات في سوق العمل والحياة العملية. واليوم، تُعد مهارات الذكاء الاصطناعي في صلب هذه الرؤية”.
وأشار عن الماجستير: “الذكاء الاصطناعي ليس جديدا ولا وليد السنوات الأخيرة. ولكنه أصبح شائعا في أخر كم سنة. السوق كله تغير بفعل ثورة الذكاء الاصطناعي. فمثلا كنا في الأسبوع السابق في مادة التسويق نشرح كيف أثر الذكاء الاصطناعي على تسعير الشركات لخدماتها أو بضائعها. وكيف أن الشركات باستخدام الذكاء الاصطناعي طوروا نظام خدمة الزبائن. بات الذكاء الاصطناعي مرتبطا بكافة زوايا ولكن علينا دائما التذكر أنه وسيلة. علينا الاستفادة منها حتى الأخير. شركات كبرى كنتفليكس وأمازون يستخدمون الذكاء الاصطناعي في استراتيجتهم العملية. علينا أن نواكب ونفهم ماذا يعني ذلك.”
مواد إلزامية واختيارية عبر الاختصاصات
وأضاف الدكتور حجازي أن الذكاء الاصطناعي بات حاضرًا في الحياة اليومية لمختلف المهن، من الصحافة والتصميم إلى الهندسة وتحليل البيانات، ما دفع الجامعة إلى دمجه في مختلف الاختصاصات، سواء عبر مواد تمهيدية في أساسيات الذكاء الاصطناعي أو عبر مقررات متخصصة بحسب كل مجال.
وقد جرى تعديل منهج الصحة العامة ليصبح موجّهًا نحو تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، إلى جانب إدخال الذكاء الاصطناعي في ماجستير الحقوق أيضًا.
ورش عمل ومحاضرات تخصصية حول الذكاء الاصطناعي في التعليم الجامعي
تنظّم الجامعة ورش عمل وندوات متخصصة بشكل أسبوعي، بمشاركة خبراء في مجالات الذكاء الاصطناعي المختلفة، إضافة إلى إشراك الطلاب في تدريبات خارجية تعزّز الجانب التطبيقي.

شهادة الذكاء الاصطناعي وعلم البيانات
كما أطلقت جامعة فينيسيا شهادة في الذكاء الاصطناعي وعلم البيانات، مستهدفةً الطلاب والخريجين والمهنيين الراغبين في تطوير مهاراتهم في منهاج تعليمي يمتد لأربعة أشهر فقط. يركّز البرنامج على تحليل البيانات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وفهم أسسه الجوهرية، بما يجعله متاحًا ومناسبًا لطلاب من خلفيات أكاديمية متنوعة.

الجامعات الأميركية في لبنان: الذكاء الاصطناعي في التعليم الجامعي خارج الإطار التقليدي
كما بدأت جامعات لبنانية أخرى، لا سيما الجامعات الأمريكية في لبنان، بإدخال الذكاء الاصطناعي إلى اختصاصات لم تكن تقليديًا مرتبطة به. نذكر منها على سبيل المثل لا الحصر:
في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB):: دبلوم العلامة التجارية الاستراتيجية في العصر الرقمي
في الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU):: دبلوم الصحة الرقمية للصيادلة ودبلوم إعادة ابتكار الرعاية الصحية: الذكاء الاصطناعي، الأتمتة والابتكار
الخلاصة: التحدّي ليس في الذكاء الاصطناعي… بل في كيفية استخدامه
لا يكمن التحدّي الحقيقي في وجود الذكاء الاصطناعي في التعليم الجامعي، بل في كيفية دمجه بشكل مدروس وأخلاقي في التعليم الجامعي، ومعالجة المخاوف المرتبطة بسوء الاستخدام، مثل النسخ، وسرقة المعلومات، وإضعاف المهارات البحثية، والاعتماد السلبي المفرط.
وهنا، يبرز دور الجامعات في توجيه الاستخدام الأخلاقي والتربوي نحو الذكاء الاصطناعي في التعليم الجامعي، وتحويله من مصدر قلق لدى بعض الأساتذة والطلاب إلى فرصة حقيقية لبناء تعليم حديث، نقدي، ومسؤول.


COMMENTS