يُعدّ الذكاء الاصطناعي أحد أبرز مظاهر التحوّل المعاصر، نظرًا لما أحدثه من تغيير في عدد من المفاهيم الراسخة، لا سيّما في مجال الفنون التشكيلية، و
يُعدّ الذكاء الاصطناعي أحد أبرز مظاهر التحوّل المعاصر، نظرًا لما أحدثه من تغيير في عدد من المفاهيم الراسخة، لا سيّما في مجال الفنون التشكيلية، وتحديدًا مفهوم الرسام.
وإذا كان الذكاء الاصطناعي يُعدّ امتدادًا طبيعيًا لمسار التطوّر التكنولوجي الذي لطالما رافق الفنون وأسهم في تجديد أدواتها وأساليبها، فإنّ إدخاله المباشر في صلب العملية الإبداعية يثير إشكاليات عميقة تتعلّق بمفهوم الإبداع ذاته وبهوية الرسام ودوره. فكلّ عمل فني تُنتجه الخوارزميات يعيد طرح تساؤل جوهري حول موقع الإنسان في الفعل الإبداعي: من هو الرسام الفعلي في عصر الذكاء الاصطناعي؟ وكيف يمكن تعريف الإبداع في ظل هذا التحوّل التقني؟
الذكاء الاصطناعي يُعيد تعريف الرسام

أمام توظيف الذكاء الاصطناعي في الفن التشكيلي، نصطدم بتحوّل جذري في صورة الرسام ودوره، إذ لم يعد بالضرورة ذلك الفرد الذي يمسك الفرشاة، بل قد يكون من يكتب الأوامر النصية (Prompt) أو من يدير حوارًا إبداعيًا مع الخوارزميات عبر تطبيقات مثل Deep Dream أو الأنظمة القائمة على الشبكات العصبية التوليدية Generative Adversarial Networks – GANs.، أو الذكاء الاصطناعي بحدّ ذاته بما يمتلكه من قدرة على التعلّم وإنتاج صور جديدة.
الذكاء الاصطناعي وإشكالية الإبداع الفني
تُبرمج أنظمة الذكاء الاصطناعي على استخدام قواعد بيانات ضخمة من الصور واللوحات التشكيلية المخزّنة لمختلف الفنانين حول العالم، ما يجعل إنتاجها الفني قائمًا على مبدأ الاشتقاق لا الابتكار، فهي لا تخلق من فراغ، بل تعيد مزج ما هو موجود بالفعل وفق خوارزميات محددة.
ويرى بعض النقّاد والباحثين أن هذا التحوّل في الإنتاج يمثّل امتدادًا طبيعيًا لمسار تطوّر الفنون، شبيهًا بما أحدثه التصوير الفوتوغرافي أو الفن الرقمي عند ظهورهما. وتؤكّد “نيكول سيلز غايلز”، مديرة قسم الفن الرقمي في دار كريستيز، أن الذكاء الاصطناعي “ليس سوى أداة جديدة في يد الفنان”، مشبّهة إياه بالفرشاة أو الكاميرا في مراحل سابقة من تاريخ الفن، حين قوبلت هذه الأدوات بالرفض والشك. كما أضافت الرسامة التشكيلية “ميرنا حرصي” أن الرسم الرقمي لا يتعارض مع الرسم البشري، ولا يشكّل خطرًا على مستقبله، فكل نوع له خصائصه التي تميزه عن الآخر. وهذا الموقف يعكس رؤية تعتبر أن الذكاء الاصطناعي لا يُقصي الفنان، بل يوسّع آفاقه التعبيرية.
- نيكول سيلز غايلز- “الذكاء الاصطناعي لا يُقصي الرسام شرط أن تبقى الرؤية الإبداعية والقرار الجمالي بيد الإنسان”

في المقابل، يعتبر نقّاد آخرون أن الإنتاج الفني بواسطة الذكاء الاصطناعي يفتقد للعواطف والرؤية الفلسفية، ولا يضاهي الإبداع البشري في عمقه وتأثيره الوجداني. من هنا يصفه الناقد “الفني جيري سالتز” بأنّه “مسلٍّ، لكنه لا يثير المشاعر ولا يُحدث تغييرًا داخليًا لدى المتلقي”. كما تعتبر الرسامة التشكيلية “جوي جدَيْ” أنه شكل من أشكال الاستنساخ، لأنه يعتمد على إعادة مزج أعمال فنانين سابقين، ما يطرح إشكاليات أخلاقية وقانونية تتعلّق بالملكية الفكرية وبمستقبل هذا الإنتاج الفني، فالرسام هو من يتمتّع بالرؤية الإبداعية وليس مجرّد أدوات تقنية، والأعمال المشغولة باليد هي ذات قيمة مختلفة عن الأعمال المصنوعة بالآلة.
- جيري سالتز-“الإنتاج الفني مسلٍّ، لكنه لا يثير المشاعر ولا يُحدث تغييرًا داخليًا لدى المتلقي“
هل يهدد الذكاء الاصطناعي قيمة الفن؟
رغم هذا الجدل، لا يمكن إنكار أن توظيف الذكاء الاصطناعي في الفنّ اختياري، فهو يتيح للجميع إنتاج الصور والفيديو والأعمال الفنية، لكن لا يجعل الجميع فنانين. فالإبداع الحقيقي يظلّ مرتبطًا بالرؤية، والتجربة الإنسانية، والقدرة على طرح الأسئلة، لا مجرد إنتاج صورة جميلة ومميزة.
وعليه، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يعزّز إمكانات الرسام ويفتح أمامه مسارات جديدة للتجريب، لكنه لن يكون يومًا بديلًا عن الخلق البشري الأصيل، بل شريكًا تقنيًا يخضع لرؤية الفنان وحواسه وعوالمه الداخلية التي تقوده في عملية الإبداع.
مقال ذو صلة
Most Viewed Posts
- التكنولوجيا و كرة القدم: أفضل 5 ملاعب من حيث التطور والتصميم
- بودكاست Cinétech| الحلقة 1: الذكاء الإصطناعي وتأثيره في مجال التصميم السينمائي
- الذكاء الاصطناعي والعمليات الجراحية: ثورة التقنيات الحديثة !
- كتابة العربية بالحروف اللاتينية: ظاهرة انتشرت في لبنان منذ عام 2000
- “تأثير السوشال ميديا على عقولنا في 2025: اكتشف كيف تسيطر المنصّات على حياتنا اليومية”
ماريا عبد النور
صحافية وأستاذة لبنانية تُعنى بالشؤون الثقافية والفنية والأدبية.


COMMENTS