التكنولوجيا في المدارس اللبنانية: فجوة تعليمية متسعة

Homeتعليم

التكنولوجيا في المدارس اللبنانية: فجوة تعليمية متسعة

قد يختلف معنى كلمة "تكنولوجيا" للطالب اللبناني في المدرسة الرسمية عن المعنى نفسه بالنسبة لطالب المدرسة الخاصة. فملف التكنولوجيا في المدارس اللبنانية

المفكرة المدرسية الرقمية : تنظيم تربوي أم ضغط إضافي على الأطفال؟
قضية جامعة أدلفي: استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم بين الإشكاليات القانونية والأخلاقية
الذكاء الاصطناعي في التعليم الجامعي: كيف تواكب الجامعات اللبنانية تحوّلات سوق العمل؟

قد يختلف معنى كلمة “تكنولوجيا” للطالب اللبناني في المدرسة الرسمية عن المعنى نفسه بالنسبة لطالب المدرسة الخاصة. فملف التكنولوجيا في المدارس اللبنانية لم يعد تفصيلًا تربويًا فقط، بل بات يكشف عمليًا الفارق بين مدرسة قادرة على مواكبة التكنولوجيا ودمجها في العملية الدراسية، وواقع هشّ في التعليم الرسمي

تتشابك الأسئلة حول فرص التعلّم، والعدالة التعليمية، ودور الدولة في مواكبة التحوّل الرقمي، ومستقبل يكاد يكون ضبابيا لولا إصرار الطالب اللبناني على شقّه ومتابعته.

تكنولوجيا مبتدأة في المدارس اللبنانية

لا يبدأ الحديث عن التكنولوجيا في المدارس اللبنانية من اللوحات التفاعلية أو المختبرات الرقمية، بل من واقع أبسط بكثير: المبنى نفسه. فالمسح الميداني الذي جرى في بحث أعدّته الدكتورة رانيا العرب، حول استخدام التكنولوجيا في التعليم الرسمي لعام 2023-2024 والذي شمل 18 ثانوية رسمية في مدينة بيروت يُظهر أنّ جزءًا كبيرًا من المدارس لا يزال يواجه مشكلات بنيوية أساسية، من الحاجة إلى ترميم شامل، إلى افتقاد الصفوف لشروط التعليم الأولية، ما يجعل أي نقاش حول التكنولوجيا سابقًا لأوانه في بعض الحالات.

واقع التكنولوجيا في المدارس اللبنانية الرسمية هذه في بيروت لا يختلف عن حال مدارس الجنوب، ففيما تستفيد بعض الثانويات من بعض التجهيزات الإلكترونية المحدودة، لا تزال مدارس أخرى تنتظر دورها، في مشهد يعكس غياب سياسة موحّدة للنهوض في تحسين واقع التعليم الرسمي.

على المستوى التكنولوجي، تمتلك الثانويات الرسمية حدًّا أدنى من التجهيزات: غرفة عرض واحدة في بعض المدارس، مختبر معلوماتية، شاشات LCD، ولوحات تفاعلية. غير أنّ هذه التجهيزات تعاني من مشكلتين أساسيتين: قلّة العدد وغياب الصيانة. فاللوحات التفاعلية، حيث وُجدت، غالبًا ما تكون معطلة، وعدد الحواسيب لا يكفي الأساتذة، ما يدفعهم إلى استخدام أجهزتهم الشخصية في التعليم.

“ليس من السهل التنبؤ بمستقبل استخدام التقنية في مجالات الحياة، ولكن التنبؤ السهل الذي ينبغي أن يبنى عليه المستقبل هو أن الأشياء التي تحصل عادة تكون أكبر مما تمّ توقّعُه”

سيتلر

كادر تعليمي بين التكنولوجيا والطبشور

تُجمع المقابلات على أنّ الكادر التعليمي في التعليم الرسمي يتمتع بكفاءة أكاديمية عالية، بحكم خضوعه لتدريب منهجي من قبل وزارة التربية، غير أنّ إدخال التكنولوجيا كشف عن فجوة داخل الجسم التعليمي نفسه، بين جيل لا يزال متمسكًا بالأساليب التقليدية، وآخر أكثر انفتاحًا على الأدوات الرقمية. تقول زينب حمادي، معلمة في مدرسة رسمية: “الوزارة مستمرة في إعداد دورات تدريبية للأساتذة وهناك في الحقيقة أساتذة مؤهلون لمواكبة التطور الرقمي المتسارع، ولكن في الجسم التعليمي نفسه، تجد تمسك من قضى عمرا طويلا في هذا الصرح، يصرّ على اللوح والطبشور”.

مشروع “كتابي 2″– المدارس الرسمية في لبنان.

“الكهربا، الإنترنت، القلق عالمعاشات، وقدرة الطلاب المعدومة لإمتلاكن حواسيب، وكلها مع عوامل تانية” حوّلت التكنولوجيا في المدراس الرسمية لإمتياز وليس حق يحصل عليه الطالب اللبناني. تقول صفاء طويل، معلمة في مدرسة رسمية جنوبية، ثم تتابع “العملية التكنولوجية تقتصر هنا على شاشة يتم عرض الفيديوهات عليها” ثم تؤكد استعدادهم وإجادتهم التعامل مع كل الوسائل التعليمية في حال توفرها.

“يقتصر الاحتكاك بالأدوات الرقمية على حصة واحدة أسبوعيًا في مختبر المعلوماتية”، يقول حسن في الصف السادس أساسي في مدرسته الرسمية القريبة من بيته، إذ يتشارك عدد كبير من الطلاب أجهزة حاسوب محدودة، وغالبًا ما تُستخدم لتعلّم أساسيات بسيطة، من دون أي ارتباط بمشاريع علمية أو تطبيقات عملية.

يضيف حسن: “بنجي ع المختبر مرة بالأسبوع، منقعد ع الكمبيوتر ومنعمل أشيا بسيطة، بنفتح “وورد” “وبوير بوينت”” موضحًا أنّ استخدام التكنولوجيا في المدرسة لا يتجاوز هذه الحصة، فيما تبقى المواد المتبقية قائمة على الشرح التقليدي والكتاب المدرسي. ويشير إلى أنّ معظم الطلاب لا يمتلكون حواسيب شخصية في منازلهم، ما يجعل علاقتهم بالتكنولوجيا مقتصرة على الهاتف المحمول، لا كأداة تعلّم، بل كوسيلة تواصل فقط.

هذا الواقع يعكس التحديات البنيوية التي تواجه التكنولوجيا في المدارس اللبنانية، ويكشف غياب رؤية وطنية شاملة لدمجها في التعليم الرسمي، وهو في الحقيقة واقع مستمر منذ سنوات، مرورًا بجائحة كورونا التي كشفت هشاشة الوضع التكنولوجي في الصرح الرسمي ومعاناته للالتحاق السريع بالعملية التربوية المتقدمة وصولاً إلى يومنا هذاـ

مشاريع علمية تصنع شخصية الطالب

في المقابل، تنتظر الطالبة زهراء سلطان وزميلاتها في الصف الدراسي، موافقة الإدارة في مدرستها على مشروعهم العلمي الذي اعتادوا العمل عليه منذ الصف السادس أساسي. مشهد ينقلك من واقع إلى آخر مختلف تمامًا في المنطقة نفسها، ألواح تفاعلية، تجهيزات حاسوبية، ورش صفية. مدارس تقوم على اعتماد مقاربة تعليمية مختلفة، فتدرج التكنولوجيا في صلب التعلم لا على هامشه، من خلال مشاريع تطبيقية طويلة الأمد، تبدأ بفكرة وتنتهي بنموذج قابل للتطوير.

مشروع “نزرع كل شيء بذكاء” لثانوية المهدي(ع) – عين بورضاي -موقع مدارس المهدي.

تشارك زهراء سلطان في مشروع علمي تكنولوجي، يقوم على تصميم درون (طائرة مسيّرة) قادرة على النزول تحت الماء لتنظيفه من الملوّثات، مع إعادة توظيف هذه المخلّفات في توليد الطاقة، في مقاربة تربط بين الابتكار التكنولوجي والاستدامة البيئية، وتعكس وعيًا مبكرًا بقضايا العالم المعاصر.

“الشخصية جزء أساسي بالمشروع، لازم تكوني قادرة توقفي قدام اللجنة، وتحكي معها وتناقشيها، وتتقبلي النقد”، تقول الطالبة زهراء وتتابع شرحها عن مشاريع مختلفة تعمل عليها زميلاتها في فرق أخرى. مشاريع مختلفة تستطرد بالحديث عنها، جهاز “BASAR” لمساعدة الأعمى، مشروع “Smart Helmet” الذي يلزم سائق الدراجة بارتداء الخوذة لقيادة دراجته، مشروع “Blutracker Spot”، يهدف إلى جعل تتبّع المواقع أمرًا سهلًا ومتاحًا، ويساعد في تحديد مواقع الطلاب خلال عمليات الإخلاء لتفادي فقدانهم بما يعزّز السلامة والكفاءة من دون الحاجة إلى بنى تحتية معقّدة. ومشاريع أخرى تعكس المستوى التكنولوجي المتقدم مع مراحل متوسطة وتكاد تكون ابتدائية.

لا تقتصر أهمية هذه التجربة على الجانب العلمي، بل تمتد إلى بناء شخصية الطالب. تقول الطالبة فاطمة علاء الدين: “ساهمت المشاركة بهيك  مشروع بتعزيز مهارات التفكير النقدي عنا، صرنا نلاقي أفكار ونبحث فيها ونناقشها ونعرضها، وهيدا شي ما بنتعلمّو بالكتب”.

تجربة المدارس الخاصة: تعليم تكنولوجي متقدم

بحسب منسقة العلوم الأستاذة ملاك العلي في مدرسة المهدي – عين المزراب، فإنّ المدرسة تعتمد على مقاربة شاملة في استخدام التكنولوجيا، تمتد من الصفوف إلى المختبرات العلمية والنوادي العلمية، إضافة إلى منصّات رقمية تفتح المجال أمام البحث والعمل الجماعي. ويتدرّج الطلاب، بحسب مستوياتهم، في التعرّف إلى البرمجة والروبوتات التعليمية والمحاكاة العلمية، بما يعزّز الربط بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي.

مدارس المهدي (ع) – مجمع الشهيد بجيجي، مشغرة (مباراة العلوم – الهيئة الوطنية للعلوم والبحوث).

تقول العلي: “هذا النهج انعكس بشكل مباشر على مهارات الطلاب، الذين باتوا يشاركون في مشاريع تتناول قضايا مختلفة، مثلاً هناك مشروع شارك في مباراة البطولة السنوية للروبوت، ونال المرتبة الثانية، كان عبارة عن روبوت لقياس الميلان وكشف احتمالية سقوط المباني المتضررة من الحرب، بالإضافة إلى عدة مشاريع لافتة صحية وبيئية وغيرها…” وترى بأن هذا النهج أسهم في تعزيز التفكير النقدي، والعمل الجماعي والثقة بالنفس.

الفجوة التكنولوجية والعدالة التعليمية

تتنقّل بين صفحات المدارس الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، فترى على صفحاتهم مؤتمرات عن الذكاء الاصطناعي، ومعارض للمشاريع التكنولوجية، ومبادرات تعليمية تواكب أحدث التحوّلات الرقمية. في المقابل، تكشف متابعة واقع المدارس الرسمية عن مسار أكثر بطئًا، إذ تنشغل الإدارات بتأمين استمرارية العام الدراسي، والحفاظ على الكادر التعليمي، وتلبية الحاجات الأساسية، في ظل غياب دعم كافٍ يتيح الانتقال إلى مراحل أكثر تقدّمًا في التعليم التكنولوجي.

تتجاوز هذه الفجوة بعدها التقني لتلامس مفهوم العدالة التعليمية. فحين يُمنح طالب في مدرسة خاصة فرصة خوض تجارب بحثية وتكنولوجية منذ سنواته الدراسية الأولى، بينما يُحرم طالب آخر من الحد الأدنى لهذه الفرص بسبب نوع المدرسة التي يرتادها، يصبح النظام التعليمي نفسه عاملًا في إعادة إنتاج اللامساواة.

إنّ غياب التكنولوجيا الفاعلة في التعليم الرسمي اليوم، لا يؤثر فقط على جودة التعليم، بل على مستقبل الطالب الاجتماعي والمهني، وقدرته على المنافسة في عالم رقمي لا يعترف بالفوارق المحلية. فالتكنولوجيا اليوم لم تعد مهارة إضافية، بل لغة أساسية للدخول إلى سوق العمل والاقتصاد المعرفي.


الذكاء الاصطناعي في التعليم الجامعي: كيف تواكب الجامعات اللبنانية تحوّلات سوق العمل؟

وكلاء الذكاء الاصطناعي: المستقبل الذكي لإنجاز المهام

COMMENTS

WORDPRESS: 0
DISQUS: