أخلاقيات الصحافة: 5 مخاطر لاستخدام الذكاء الاصطناعي دون شفافية

Homeأخلاقيات

أخلاقيات الصحافة: 5 مخاطر لاستخدام الذكاء الاصطناعي دون شفافية

​"هل ينهي الذكاء الاصطناعي عصر المصداقية؟ اكتشف المخاطر الخمسة التي تهدد أخلاقيات الصحافة عند استخدام الخوارزميات دون شفافية، وكيف يؤثر غياب المساءلة على ثقة الجمهور."

المحامي الرقمي:هل نثق في الذكاء الاصطناعي في تحديد مسارنا القانوني؟

“هل أنت متأكد أنك تقرأ لصحفي الآن؟”
في يناير 2023، سقط القناع عن موقع CNET الإخباري، لا بسبب خطأ تقني، بل بسبب “خيانة مهنية” صدمت الأوساط الإعلامية. لقد كان الموقع يضخ عشرات المقالات المالية للجمهور، ليس بأقلام بشرية، بل عبر “محررين أشباح” من خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تعمل في صمت مطبق. الفضيحة لم تكن في استخدام التكنولوجيا، بل في ذاك “التواطؤ” السري ضد حق القارئ في المعرفة؛ حيث نُشرت أخبار بلا أرواح وبلا توقيع، والأدهى من ذلك، ببيانات مغلوطة.
هذه الواقعة لم تكن مجرد زلة، بل هي الإنذار الأول لميلاد “صحافة الزومبي” التي تكتب بلا وعي أخلاقي. من هنا، نفتح النار على إشكالية استخدام الذكاء الاصطناعي في الأخبار دون شفافية، لنسأل: هل تحولت غرف الأخبار إلى مصانع خوارزمية تبيع الوهم للجمهور؟ وما الذي يتبقى من أخلاقيات الصحافة عندما يغيب الإنسان ويحل محله الكود البرمجي الصامت؟

لقطة شاشة لمقال موقع Futurism الذي كشف فضيحة استخدام موقع CNET للذكاء الاصطناعي في كتابة التقارير المالية سراً.
تقرير موقع Futurism (المصدر الذي كشف القصة):
هذا هو المقال الأول الذي “فجر” القضية وكشف أن CNET ينشر مقالات بالذكاء الاصطناعي سراً تحت اسم مستعار هو “CNET Money Staff”.
الرابط: CNET Is Quietly Publishing Entire Articles Generated by AI

ذبح الشفافية: كيف يؤدي تزييف هوية الكاتب إلى اغتيال أخلاقيات الصحافة؟

هنا تكمن الضربة الأولى التي توجه إلى أخلاقيات المهنة؛ فالعلاقة بين الصحيفة والقارئ تقوم على “عقد ثقة” صامت، يفترض أن خلف كل حرف إنساناً يتحمل مسؤولية كلمته. عندما يتم استخدام الذكاء الاصطناعي في الأخبار دون شفافية، نحن لا نتحدث عن أداة مساعدة، بل عن عملية “انتحال صفة” رقمية.
إن أخلاقيات المهنة تفرض على أي مؤسسة إعلامية أن تكون المصداقية هي محركها الأول. ولكن، بالنظر إلى الفيديو الذي استعرضناه للروبوت “آريا” (Arya)، نجد مفارقة خطيرة: التكنولوجيا قادرة على محاكاة الملامح البشرية بدقة مذهلة، لكنها في الوقت نفسه برمجت لترفض الإفصاح عن كيفية عملها. هذا التناقض هو جوهر الخطر الأول؛ حيث تستخدم هذه “الأنسنة” لخداع القارئ وإيهامه بأن ما يقرأه نابع من ضمير وتفكير بشري، بينما الحقيقة هي خوارزميات صماء تعمل في الخفاء.
غياب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي يعد خرقا صارخا لـ أخلاقيات المهنة، لأنه يسلب القارئ حقه الأصيل في معرفة “من” يتحدث إليه. المؤسسات التي تختبئ خلف هذه التقنيات دون إعلان صريح، تخاطر بتحويل الصحافة من رسالة سامية إلى “صناعة تضليلية” تعتمد على سرعة الانتشار بدلا من صدق المحتوى، مما يؤدي في النهاية إلى تجريف القيمة الأخلاقية للعمل الصحفي وتدمير هيبة القلم أمام الآلة.


وهذ الفيديو تابع للروبوت ‘آريا’ في مقابلة مع CNET: ملامح بشرية مذهلة تخفي وراءها خوارزميات غامضة. هذا الفيديو يجسد التحدي الأكبر الذي يواجه أخلاقيات المهنة اليوم؛ فبينما تبرع الآلة في تقليد هيئتنا، تظل عاجزة (أو مبرمجة على الرفض) عن منحنا الشفافية المطلوبة حول كيفية صناعة قراراتها ونصوصها

https://youtu.be/2HQ84TVcbMw?si=cOq-xLkisjFXtUFb

ضبابية المساءلة: الثقب الأسود الذي يبتلع المسؤولية ويدمر أخلاقيات الصحافة

هذا الخطر ليس مجرد نتيجة جانبية، بل هو “زلزال” يضرب أساسات الثقة التي بنيت عليها أخلاقيات المهنة عبر العقود. فإذا كانت الروبوت “آريا” في الفيديو الذي شاهدناه تكتفي بالاعتذار عن الإفصاح عن كينونة برمجتها، فإنها بذلك تضع يدها على الجرح الغائر في الجسد الصحفي: “من نحاسب عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي؟”.
إن أخلاقيات المهنة في الصحافة ليست مجرد نصائح جمالية، بل هي منظومة حقوقية وقانونية تضمن حق الرد وحق التصحيح. في الصحافة التقليدية، هناك “سلسلة قيادة” واضحة؛ من الصحفي الميداني إلى رئيس القسم وصولا إلى رئيس التحرير، وكل حلقة في هذه السلسلة تخضع للمساءلة القانونية والمهنية. أما في ظل استخدام الذكاء الاصطناعي في الأخبار دون شفافية، فإن هذه السلسلة تنقطع تماماً، ونصبح أمام ما يعرف بـ “الثقب الأسود للمسؤولية”.
عندما تنشر تقارير مضللة كما حدث في السقطة التاريخية لموقع CNET فإن غياب العنصر البشري المعلن يجعل من المستحيل تحديد “النية الجرمية” أو حتى “الإهمال المهني”. هل الخطأ نبع من انحياز في البيانات الضخمة؟ أم من خلل في معالجة اللغة الطبيعية؟ أم من قرار إداري بتوفير النفقات على حساب الدقة؟ إن هذه الضبابية المتعمدة لا تخدم القارئ أبداً، بل تخدم فقط المؤسسات التي تريد جني الأرباح دون تحمل عبء الالتزام بـ أخلاقيات المهنة.
علاوة على ذلك، فإن اختفاء “المساءلة” يؤدي بالضرورة إلى استهتار تقني؛ فالمؤسسة التي تعلم أنها تستطيع الاختباء خلف “خطأ برمجياً” لن تبذل الجهد الكافي للتحقق من مصداقية ما تنشر. هذا التحلل من المسؤولية هو الإهانة القصوى لـ أخلاقيات المهنة، لأنه يحول العمل الصحفي من رسالة مقدسة تهدف لتنوير الرأي العام، إلى “منتج استهلاكي” بلا صاحب، وبلا ضمير، وبلا هوية يمكن مقاضاتها أو حتى توجيه اللوم إليها. إننا أمام خطر تحويل الصحافة إلى غابة رقمية تغيب فيها العدالة وتنتصر فيها الخوارزمية على الحقيقة.

غياب العنصر البشري في غرف الأخبار وتأثيره السلبي على أخلاقيات الصحافة والرقابة المهنية."
صورة رمزية تظهر وجها آليا زجاجياً خلفه دوائر إلكترونية، تعبر عن غياب الشفافية وضبابية المسؤولية في أخلاقيات المهنة الصحفية عند استخدام الذكاء الاصطناعي

الخطر الثالث: الانحياز الخوارزمي واغتيال التعددية في روح “أخلاقيات الصحافة

إن الجريمة الثالثة التي ترتكب عند استخدام الذكاء الاصطناعي في الأخبار دون شفافية هي تدمير مفهوم “الموضوعية” وتحويله إلى “انحياز مبرمج”. في صميم أخلاقيات الصحافة، يعتبر التوازن وتقديم وجهات نظر متعددة واجبا مقدسا، لكن الذكاء الاصطناعي لا يملك عقلا نقديا ليفهم أبعاد القضايا الإنسانية المعقدة؛ هو ببساطة يعيد تدوير الانحيازات الموجودة في البيانات التي تدرب عليها.
عندما نترك الآلة تكتب الخبر دون إشراف بشري معلن، فإننا نسمح بضخ قوالب نمطية وانحيازات سياسية أو عرقية تحت ستار من “الحياد التقني الزائف”. هذا الأمر يضرب أخلاقيات الصحافة في مقتل؛ فالقارئ يميل بطبعه لتصديق الآلة ظنا منه أنها مجردة من العواطف، بينما الحقيقة هي أن الخوارزمية قد تكون أكثر تطرفا وانحيازا من البشر، لأنها تفتقر إلى “الحس الأخلاقي” الذي يمنع الصحفي المهني من تبني رواية واحدة وتهميش الآخرين.
علاوة على ذلك، فإن الاعتماد على هذه الأدوات في غرف الأخبار يهدد بقتل “التعددية” التي هي جوهر أخلاقيات الصحافة. فبدلا من أن يكون لدينا صحفيون بمشارب وفلسفات مختلفة، نصبح أمام نمط كتابة واحد، ومنطق واحد، وانحياز واحد تفرضه الخوارزمية لزيادة أرقام المشاهدات. إن هذا “التسطيح” للوعي الجمعي يمثل خيانة عظمى لرسالة التنوير الإعلامي، حيث يستبدل البحث عن الحقيقة بالبحث عن “الترند”، مما يحول الصحافة من منارة للوعي إلى مجرد أداة تقنية تكرس الانغلاق الفكري تحت قناع الحداثة.

الفرق بين السرد الآلي والنبض الإنساني في تعزيز أخلاقيات الصحافة والتعاطف مع القضايا الإنسانية
الكرسي الفارغ: عندما تتحول غرف الأخبار إلى مساحات تقنية تسكنها الخوارزميات وتغيب عنها الروح البشرية. في هذا الفراغ تكمن أكبر التهديدات التي تواجه أخلاقيات الصحافة؛ فبدون وجود ‘الصحفي الإنسان’ لمراجعة وتدقيق ما تنتجه الآلة، تصبح الحقيقة مجرد خيار تقني قابل للتلاعب.

الخطر الرابع: تآكل “النبض الإنساني” وتحويل الخبر إلى سلعة بلا روح

إن جوهر أخلاقيات الصحافة لا يكمن فقط في نقل المعلومة، بل في القدرة على استيعاب السياق الإنساني، والشعور بمظلومية الضحايا، وتقدير أبعاد المآسي البشرية. عندما ننتقل إلى مرحلة استخدام الذكاء الاصطناعي في الأخبار دون شفافية، نحن لا نفقد الدقة فحسب، بل نفقد “التعاطف” الذي هو البوصلة الحقيقية لكل صحفي شريف.
تفرض أخلاقيات الصحافة على الكاتب أن يكون “عين الجمهور” و”ضمير المجتمع”، وهي مهام تتطلب حساً أخلاقياً لا تملكه الأسطر البرمجية مهما بلغت دقتها. الخوارزمية، بطبيعتها، تتعامل مع الكارثة الإنسانية كـ “مجموعة بيانات” ومع معاناة البشر كـ “كلمات مفتاحية” لزيادة التفاعل. هذا التسطيح للقضايا الكبرى يمثل انتهاكاً صارخاً لـ أخلاقيات الصحافة، لأنه يفرغ الخبر من قيمته الأخلاقية ويحوله إلى مجرد محتوى استهلاكي بارد يهدف للربح السريع بدلاً من التغيير الاجتماعي.
علاوة على ذلك، فإن غياب “النبض البشري” يؤدي إلى اختفاء التحقيقات الميدانية والمقابلات المعمقة التي تعتمد على لغة الجسد والثقة المتبادلة. إن القارئ الذي يستهلك محتوىً آلياً دون علمه، يُحرم من التجربة الإنسانية الفريدة التي تميز الصحافة الحقيقية عن غيرها. إن هذا التراجع في الدور الإنساني لصالح الآلة لا يهدد وظائف الصحفيين فحسب، بل يهدد بانهيار المنظومة القِيَمية التي تغلغل فيها مفهوم أخلاقيات الصحافة، حيث تصبح الكلمة بلا وزن، والخبر بلا أثر، والصحافة بلا قلب.

الخطر الخامس: العدمية الأخلاقية والانهيار النهائي لثقة الجمهور في “أخلاقيات الصحافة”

إن النتيجة الحتمية لكل التجاوزات السابقة هي الوصول إلى حالة من “العدمية الأخلاقية”، حيث يفقد الجمهور قدرته ورغبته في التمييز بين الحقيقة والتزييف. هنا نصل إلى أخطر مراحل الصراع مع التكنولوجيا؛ فالحفاظ على أخلاقيات الصحافة ليس ترفاً فكرياً، بل هو العقد الاجتماعي الذي يربط المؤسسة الإعلامية بقرائها. وعندما يتم كسر هذا العقد من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي في الأخبار دون شفافية، فإننا لا نفقد مصداقية خبر واحد فحسب، بل ندمر مفهوم “المصداقية” ذاته.
في هذا المناخ الضبابي، يتسلل الشك إلى كل ما يقرأه الجمهور، حتى الأخبار الصحيحة التي يكتبها صحفيون بشريون مخلصون لـ أخلاقيات الصحافة ستبدو محل اتهام. هذا “التلوث المعلوماتي” يخلق حالة من اللامبالاة لدى الشعوب، فإذا كان كل شيء محتملاً أن يكون مولداً آلياً أو منحازاً خوارزمياً، فلماذا نصدق أي شيء؟ إن هذه الحالة من فقدان الثقة التام هي البيئة الخصبة لانتشار الشائعات ونظريات المؤامرة، مما يخرج الصحافة من دورها كحارس للحقيقة ويحولها إلى مجرد ضجيج رقمي لا قيمة له.
إن الاستهتار بـ أخلاقيات الصحافة في سبيل توفير التكاليف أو تسريع الإنتاج عبر الذكاء الاصطناعي هو “انتحار مهني” بطيء. فالمؤسسات التي تضحي بالشفافية والنزاهة اليوم ستجد نفسها غداً بلا جمهور يحترمها وبلا قيمة سوقية تحميها. إن استعادة الثقة أصعب بكثير من فقدانها، والرهان اليوم هو: هل ستظل أخلاقيات الصحافة هي البوصلة التي توجهنا في عصر الآلة، أم سنسمح للخوارزميات بأن تكتب السطر الأخير في تاريخ هذه المهنة العريقة؟

انهيار ثقة الجمهور وتآكل أخلاقيات الصحافة نتيجة التضليل الإعلامي باستخدام التقنيات الحديثة
صورة رمزية لشاشة رقمية تتفكك وتتلاشى إلى جزيئات صغيرة، ترمز إلى انهيار ثقة الجمهور وضياع أخلاقيات الصحافة في ظل التضليل الناتج عن الذكاء الاصطناعي

خاتمة: مستقبل الحقيقة.. هل تنقذنا “أخلاقيات الصحافة” من طغيان الخوارزمية؟

إن الوقوف على أعتاب عصر صحفي تقوده البيانات لا يعني بالضرورة الاستسلام لآلية السرد وفقدان الهوية، بل هو النداء الأخير لاستنهاض أخلاقيات الصحافة كحائط صد وحيد وأخير. إن الذكاء الاصطناعي، بكل جبروته التقني، يفتقر إلى “الضمير المهني” الذي يمثل حجر الزاوية في عملنا؛ فهو لا يدرك حجم الضرر الذي قد يلحقه خبر كاذب، ولا يشعر بثقل المسؤولية تجاه المجتمعات التي يخدمها.
لذا، فإن استعادة أخلاقيات الصحافة ليست مجرد خيار مهني، بل هي ضرورة وجودية للبقاء. إن الصحافة التي ستنجو من طوفان الأتمتة هي تلك التي تختار الشفافية منهجاً، وتعلن بوضوح عن حدود تدخل الآلة في صناعة محتواها، وتضع كرامة الحقيقة فوق إغراءات “التريند” الرخيص. إننا بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى صحفيين يمتلكون الشجاعة لمساءلة الخوارزميات، وإلى مؤسسات تدرك أن الاستثمار في أخلاقيات الصحافة هو الاستثمار الوحيد الذي لا يخسر أمام تقلبات التكنولوجيا.
في الختام، سيبقى الذكاء الاصطناعي أداة، وستبقى أخلاقيات الصحافة هي الروح. وإذا استطعنا تطويع هذه الأداة دون التضحية بتلك الروح، فسنكون قد عبرنا بمهنتنا إلى بر الأمان. أما إذا سمحنا للآلة بأن تقود الدفة بعيداً عن الرقابة البشرية والالتزام الأخلاقي، فإننا لا نطور الصحافة، بل نكتب السطور الأخيرة في سفر تاريخها المجيد.

مقال ذا صلة:

المحامي الرقمي:هل نثق في الذكاء الاصطناعي في تحديد مسارنا القانوني؟

وكلاء الذكاء الاصطناعي: المستقبل الذكي لإنجاز المهام

COMMENTS

WORDPRESS: 0
DISQUS: