أربع أدوات رقميّة استخدمها جيش الاحتلال الإسرائيلي في غزّة تعتمد على بيانات خاطئة وتقديرات تقريبية غير دقيقة لتوفير معلومات للعمليّات العسكريّة. ك
أربع أدوات رقميّة استخدمها جيش الاحتلال الإسرائيلي في غزّة تعتمد على بيانات خاطئة وتقديرات تقريبية غير دقيقة لتوفير معلومات للعمليّات العسكريّة.
كشفت تقارير حقوقية وإعلامية حديثة أن جيش الاحتلال الاسرائيلي يعتمد على مجموعة من الأدوات الرقمية في إدارة عملياته العسكرية في قطاع غزة، رغم أن هذه الأدوات تستند إلى بيانات خاطئة وتقديرات تقريبية غير دقيقة، ما يثير مخاوف جدية بشأن آثارها على المدنيين.
ووفقًا لتقييم أجرته منظمة هيومن رايتس ووتش، استخدم الجيش الإسرائيلي أربع أدوات رقمية رئيسية خلال هجومه المستمر على غزة، ترتبط بالتخطيط العسكري، والاستهداف، ومراقبة تحركات السكان.
أربع أدوات رقمية في قلب العمليات العسكرية
تشمل هذه الأدوات نظامًا لمراقبة إجلاء الفلسطينيين من شمال قطاع غزة، يعتمد على تتبع مواقع الهواتف الخلوية. كما يستخدم الجيش أداة تُعرف باسم “غوسبيل” (The Gospel)، وهي نظام يُعِدّ قوائم بالمباني والمنشآت التي تُصنَّف كأهداف هيكلية للهجوم.
وتُستخدم أداة أخرى تُسمّى “لافندر” (Lavender) لتصنيف الأفراد في قطاع غزة وفق درجة الاشتباه بانتمائهم إلى جماعات فلسطينية مسلّحة، بهدف إدراجهم ضمن الأهداف العسكرية المحتملة. أما الأداة الرابعة، المعروفة باسم “أين أبي؟” (Where’s Daddy?)، فتهدف إلى تحديد اللحظة التي يكون فيها الشخص المستهدف موجودًا في موقع معيّن، لتنفيذ الهجوم في ذلك التوقيت.
مراقبة الإجلاء عبر تتبع الهواتف الخلوية
في 13 تشرين الأول 2023، وبعد أيام من بدء القصف الإسرائيلي على غزة، أصدر جيش الاحتلال أوامر بإجلاء أكثر من مليون فلسطيني من شمال القطاع خلال 24 ساعة، باتجاه جنوب وادي غزة، رغم غياب الطرق الآمنة أو أماكن لجوء مناسبة.

واعتمد الجيش في تنفيذ هذه السياسة على أداة رقمية تراقب تحركات السكان من خلال بيانات مواقع الهواتف الخلوية. وبحسب تقرير نشرته نيويورك تايمز في 16 تشرين الأول 2023، استخدم الجيش هذا النظام لمتابعة عملية الإجلاء قبل بدء العمليات البرية الواسعة في شمال غزة.
خريطة رقمية لغزة وتقسيمها إلى 620 منطقة
أفاد صحفيون بأنهم اطّلعوا على غرفة عمليات في مقر القيادة الجنوبية لجيش الاحتلال بمدينة بئر السبع، تضم شاشات ضخمة تعرض خريطة رقمية لقطاع غزة مقسّمة إلى 620 منطقة. وكانت كل منطقة ملوّنة بحسب درجة إجلاء سكانها، مع وجود علامات تدل على مواقع المستشفيات والمساجد والملاجئ وغيرها من المنشآت الحيوية.
وقدّر الصحفيون أن النظام كان يتتبع أكثر من مليون هاتف خلوي في ذلك الوقت. كما تشير بيانات وزارة الاتصالات في غزة إلى وجود أكثر من 1,041,000 اشتراك نشط في الهواتف الخلوية قبل تشرين الأول 2023.
كيف يعمل النظام؟
بحسب التقارير، يعتمد النظام على تثليث أبراج الاتصالات الخلوية (Cell Tower Triangulation) إلى جانب وسائل مراقبة أخرى، لتوفير صورة شبه حيّة لتحركات السكان داخل القطاع. وقال مسؤولون عسكريون إسرائيليون إن هذه البيانات تُستخدم لتحديد طبيعة العمليات العسكرية الممكنة في مناطق معيّنة، وكذلك نوع الأسلحة التي يمكن استخدامها فيها.
وتثير هذه الممارسات تساؤلات قانونية وأخلاقية متزايدة، لا سيما في ظل اعتمادها على بيانات غير دقيقة، وتأثيرها المباشر على سلامة المدنيين في واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم.
“لافندر”، أداة ذكاء اصطناعي لتصنيف سكّان غزة
تُعدّ أداة “لافندر” (Lavender) واحدة من أكثر الأدوات الرقمية التي يستخدمها جيش الاحتلال إثارةً للجدل، نظرًا لدورها المباشر في تصنيف سكّان قطاع غزة وتحديد من يُشتبه في انتمائهم إلى جماعات فلسطينية مسلّحة.
وتعتمد “لافندر” على تقنيات التعلّم الآلي لإعطاء كل شخص في غزة درجة رقمية تعبّر عن احتمال انتمائه إلى جماعة مسلّحة. ووفقًا لتقارير إعلامية، فإن مسؤولين في جيش الاحتلال هم من يحددون الحد الأدنى لهذه الدرجة، والتي عند تجاوزها يمكن إدراج الشخص ضمن الأهداف القابلة للهجوم.
كيف تعمل «لافندر» تقنيًا؟
استُخدم النظام للمرة الأولى في غزة عام 2021، ويعمل عبر تجميع كميات ضخمة من بيانات المراقبة لتصنيف الأفراد بناءً على احتمال ارتباطهم بجماعات مسلّحة. يستخدم هذا النظام نوعًا من التعلّم الآلي شبه الخاضع للإشراف يُعرف بـ”التعلّم الإيجابي غير المصنّف”، حيث تُدرَّب الخوارزميات على بيانات تجمع بين معلومات مصنّفة مسبقًا وأخرى غير مصنّفة.

وتسعى الخوارزمية، في هذه الحالة، إلى استخراج أنماط وخصائص من بيانات الأشخاص الذين يشتبه الاحتلال في انتمائهم إلى جماعات مسلّحة، ثم تطبيق الخصائص نفسها على قاعدة بيانات أوسع تشمل عامة السكان، ما يؤدي إلى تصنيف مزيد من الأشخاص كمشتبه بهم. ونظرًا لاعتماد هذه العملية على بيانات غير مؤكدة، فإن نتائجها تقوم بدرجة كبيرة على تخمينات غير مثبتة.
على أي أساس تُحتسب درجة الاشتباه؟
يعتمد النظام على تحليل العلاقات الاجتماعية للأفراد، على غرار آليات عمل منصات التواصل الاجتماعي. تشمل المعايير التي قد ترفع درجة الاشتباه: طبيعة الاتصالات الاجتماعية، أو الانضمام إلى مجموعات دردشة تضم أشخاصًا يعتقد الجيش أنهم مرتبطون بجماعات مسلّحة، أو حتى تغيير الهواتف المحمولة أو العناوين السكنية بشكل متكرر.
لماذا تُعدّ “لافندر” أداة خطيرة؟
ترى منظمات حقوقية أن تقييمات “لافندر” تنطوي على مخاطر جسيمة على المدنيين فالأداة تعتمد على بيانات يُرجّح أن تكون متحيّزة أو غير مكتملة، ويصعب تقنيًا تدقيقها أو التحقق من صحتها. ويؤدي هذا الاعتماد على فرضيات خاطئة إلى احتمال استهداف مدنيين، نتيجة تصنيفهم كمشتبه بهم بناءً على أنماط سلوكية لا تثبت أيّ تورط فعلي.

تتفاقم هذه المخاطر في ظل استخدام السلطات الإسرائيلية تعريفات فضفاضة للإرهاب والجماعات الإرهابية، وهو ما سبق أن أدى في الضفة الغربية إلى حظر منظمات حقوقية فلسطينية واعتقال أفراد بسبب انتماءات أو علاقات غير مسلّحة. وإذا استُخدمت تعريفات مماثلة في تدريب أدوات مثل “لافندر”، فإن مخرجاتها ستتسم بالتحيّز ذاته، ما يزيد من احتمالات استهداف المدنيين بصورة غير مشروعة.
“غوسبيل”، خوارزمية لإنتاج قوائم الأهداف
تُستخدم أداة “غوسبيل” (The Gospel) من قبل الجيش الإسرائيلي لمعالجة كميات كبيرة من بيانات المراقبة، بهدف إعداد قوائم بالأهداف التي تُصنَّف كأهداف عسكرية قابلة للهجوم.
وبحسب تقارير إعلامية، تُصنّف “غوسبيل” أربعة أنواع رئيسية من الأهداف غير البشرية، تشمل: الأهداف العسكرية المباشرة، بما في ذلك المنشآت الواقعة تحت الأرض مثل الأنفاق؛ ومنازل عائلات المقاتلين المشتبه بانتمائهم إلى جماعات مسلّحة، إضافة إلى ما يُعرف بـ”أهداف القوّة”، وهي هياكل مدنية تُهاجم ضمن استراتيجية مُعلنة تهدف إلى “إحداث صدمة” بين السكان، من أجل دفعهم بحسب محللين استخباراتيين حاليين وسابقين إلى ممارسة ضغط على حركة “حماس”
كيف تعمل “غوسبيل”؟
يعمل نظام “غوسبيل” على إنتاج عدد هائل من الأهداف بوتيرة متسارعة، إذ تشير تقارير إعلامية إلى أنه قادر على اقتراح نحو 100 هدف يوميًا استنادًا إلى أحدث المعلومات الاستخباراتية التي تُغذّى بها الخوارزمية بشكل متواصل. ويشكّل هذا الرقم قفزة غير مسبوقة مقارنة بالآلية التقليدية، إذ كانت الاستخبارات الإسرائيلية، وفق المصادر نفسها، تُعدّ ما يقارب 50 هدفًا فقط في العام الواحد قبل اعتماد هذا النظام.

وفي تقرير لصحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية، أوضحت الصحيفة أن النظام “يقترح الأهداف الأكثر صلة بالهجوم ضمن نطاق جغرافي محدد”، مشيرة إلى أن خوارزمية “غوسبيل” تأخذ في الاعتبار الخسائر المدنية المحتملة كأحد العناصر التي تُستخدم في عملية اختيار الأهداف الجديدة للقصف.
وبحسب الصحيفة، فإن النظام، الذي طوّرته الوحدة 8200 التابعة لاستخبارات الجيش الإسرائيلي، لا ينفّذ الضربات بشكل مباشر، بل يقدّم توصيات إلى موظفين عسكريين مختصين، يتولّون تقييمها واتخاذ قرار بشأن تمريرها إلى الوحدات الميدانية، بما في ذلك الطيارون والجنود المشاركون في عمليات القصف.
وفي حال الموافقة على هذه التوصيات، تقوم وحدة الأهداف بإرسالها إلى قوات الجيش عبر تطبيق داخلي يُعرف باسم “عمود النار”، ليُستخدم لاحقًا في تنفيذ الهجمات على الأرض.
“أين أبي”؟، تعقّب الأشخاص لحظة بلحظة
بحسب تقارير إعلامية، تُعدّ أداة “أين أبي؟” (Where’s Daddy?) نظامًا يعتمد على تتبع مواقع الهواتف الخلوية، ويُستخدم لإخطار عناصر جيش الاحتلال عند دخول أشخاص تم تصنيفهم مسبقًا كأهداف عسكرية إلى موقع محدد.
وغالبًا ما يكون هذا الموقع، وفق التقارير، منزلًا عائليًا، حيث يُنفَّذ الهجوم عند التأكد من وجود الشخص المستهدف فيه. وقد أكدت هيومن رايتس ووتش استخدام جيش الاحتلال لأداة تؤدي هذه الوظيفة، لكنها لم تتمكن من التحقق من تفاصيلها التقنية أو آلية اتخاذ القرار المرتبطة بها.
هل بيانات الهواتف الخلوية دقيقة للاستهداف العسكري؟
يحذّر خبراء ومنظمات حقوقية من الاعتماد على بيانات مواقع الهواتف الخلوية في تنفيذ ضربات عسكرية دقيقة، إذ لا توفّر هذه البيانات مستوى الدقة المطلوب لإثبات وجود شخص بعينه في مكان محدد وفي وقت محدد.
وقد يؤدي استخدام هذه البيانات في الاستهداف إلى أخطاء قاتلة، خاصة في مناطق الحرب، حيث يغيّر السكان أرقام هواتفهم أو أجهزتهم بشكل متكرر بسبب الطوارئ، كما قد ينقطع الاتصال بالشبكات أو يعود بشكل غير منتظم.
كيف ينطبق القانون الدولي الإنساني على استخدام الأدوات الرقمية عسكريًا؟
رغم أن الأدوات الرقمية ليست أسلحة بحد ذاتها، فإن استخدامها في العمليات العسكرية يُخضعها لقواعد القانون الدولي الإنساني. ووفقًا للجنة الدولية للصليب الأحمر، يجب أن تُستخدم أي تكنولوجيا حربية جديدة بما يتوافق مع القواعد القائمة لقوانين الحرب.

وتثير أدوات مثل “لافندر” “وغوسبيل” إشكاليات خطيرة تتعلق بالاستهداف العسكري، خصوصًا بمبدأي التمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل الخسائر المدنية. فالاعتماد على خوارزميات التعلّم الآلي في تحديد الأهداف، دون تدقيق بشري كافٍ أو معلومات مستقلة، قد يؤدي إلى هجمات تُلحق أضرارًا جسيمة بالمدنيين، ما قد يشكّل انتهاكًا لقوانين الحرب.
أما أداة “أين أبي”، التي تعتمد على تتبع مواقع الهواتف الخلوية لتحديد توقيت الهجوم، فهي تثير تساؤلات قانونية بشأن التناسب، خاصة عندما تُنفّذ الضربات في منازل عائلية، حيث لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الخسائر المدنية المتوقعة تُقيَّم بشكل كافٍ.
كما تثير هذه الأدوات مخاوف إضافية عند استخدام معايير غير معرّفة قانونيًا، مثل توصيف أشخاص بـ”إرهابيين”، أو استهداف ما يُسمّى “أهداف القوة” لتحقيق أثر نفسي، وهي ممارسات لا يعترف بها القانون الدولي الإنساني وتظل خاضعة لمبادئ التمييز والتناسب والحيطة.
مقالات ذات صلة:
التجسس الرقمي المبرمج يحكم العالم والمستخدم ملاحق بأشيائه الإلكترونية وأدوارها الخفية
الوحدة “8200”.. العقل السيبراني لـ”إسرائيل”


COMMENTS